أم الدرداء
19-04-2007, 10:12 PM
ربما أكثرت من القصص .. لكن لديَّ قناعة أنها من أعظم الوسائل التربوية متى وجدنا مضموناً مميزاً ، ولغةً مبدعة ، وكاتباً واعياً .. وأنا أنقل خلاصة ما قرأت .. و أجمله .. قراءة ممتعة !!
زائــــر الليــــــــل
للكاتب: احمد666
- 1 -
وخطوت أول خطوه لي خارج السجن..
خطوة تمنيتها منذ زمن طويل..مشيت بضع خطوات ووقفت استجمع شتات نفسي.. ونظرت خلفي..وتأملت السجن بأسواره العالية وأسلاكه الشائكة ...وحراسته المشددة..
تنهدت بقوه...حسبت معها أن قلبي سيقفز خارج صدري..
خلف تلك الأسوار قضيت أتعس سنوات عمري..أتجرع المرارة والقهر..تتقاذفني أمواج الألم والعذاب..أعيش حياة كئيبة بلا لون ولا طعم...وإحساسي بالعجز يقتلني..
عشر سنوات ولا بصيص نور يبدد عتمتها..
وتراقصت صور بلا ملامح..لوجوه اعرفها..وتذكرت ذلك اليوم التعيس..الذي قتلت فيه العدالة..وانتحرت الحقيقة على أيد الغدر والخيانة..
هاجتني الذكريات الأليمة بشراسة..ذكرياتي أنا ما هي إلا مأساة كتبت اسطرها بيد الغدر لتخط بحبر اسود فصول من العذاب والألم... كان حبرها سنين عمري وحريتي وأحلامي..
- محمد....
انتشلني ذلك الصوت من أحزاني....وأعادني من تأملاتي...
ونظرت لصاحب الصوت وهو مقبلا علي....وابتسمت رغم عني ...وأنا أتأمله بمودة..
ارتمى في حضني...ودفن رأسه في صدري ...وبصوت متقطع..
- أخيرا...طلعت!!
ابتسمت بسخرية..
- الحمد لله ربك سهل وطلعنا....
ربت على كتفي بود...
- الحمد لله على سلامتك...
- الله يسلمك...اشلونك؟؟ وكيف أبوي؟؟ وو
قاطعني وهو يمسك بيدي...
-كلنا بخير...عمي وسلمى وأريج...كلهم مشتاقين لك..
أمسكت بيده وأوقفته بعنف...
- قلت لهم عن موعد طلعتي؟
-لا تطمن ما احد يدري..لكن اتصل قبل ما تروح..أخاف احد يجيه سكته قلبيه..وينقلب الفرح حزن..
عندما وصلنا للسيارة فتح لي باب السائق...
- تفضل طال عمرك...
تجاوزته متجها لمقعد المجاور للسائق..
-سق أنت..
- اوكيه.... دع القيادة لنا وتمتع بالراحة..
بعد ما ركبت رحت أتأمل يوسف ابن عمي واخو زوجتي..يصغرني بعامين..هو الوحيد الذي لم يتخلى عني وقت محنتي..رغم انه كاد أن يفقد عمله بسببي..
- نور الرياض والله..
جاءني صوته..
رددت عليه بصوت ساخر
-للي يسمعك يقول مسافر..ترى حتى أنا كنت في الرياض..أتنفس هواها..وأمشى على أرضها...تصدق..ما ادري ليش توقعت أول ما اطلع من السجن ارفع يدي أغطي عيني من نور الشمس كأني كنت مسجون تحت الأرض..الظاهر متأثر بأفلام ابيض واسود..
قاطعني يوسف بصوت مازح
- بخصوص يدك اللي بتحطها على عيونك...عاد أنا توقعت تحطها على راسك من المطر.
رفع بصره إلى السماء وهو يتأمل السماء الملبدة بالغيوم..
- لكن الظاهر النشرة الجوية ما عندهم سالفة....ما علينا...الله يا محمد لو تشوف أريج..
قاطعته بلهفة لم أحاول أن أخفيها
- كبرت؟
رد ممازحا
- العرسان طوابير ...وأنت تقول كبرت...وأم أريج ما ودك تسأل عنها؟!!!
-اشلونها سلمى؟؟
-بخير...كانت دايم تتمنى تزورك لكن أنت الله يهديك ترفض..
-كنت اكلمها تلفون...وصدقني ما كنت أحب أتعبها..
وأشحت بناظري إلي الجهة الأخرى..وتذكرت مكالماتي المتقطعة لها..والتي ما تخلو من طلبها الدائم رؤيتي..وهو ما كنت ارفض رفضا قاطعا..لا اعلم ربما هو كبريائي الذي كان يجبرني على رفض زيارتها رغم شوقي حتى لا تراني في لحظات ضعفي وهواني...وقمة انكساري..أو كنت أحاول أن أجنبها المضايقات التي كانت ستواجه عند زيارتي....واللحظات الصعبة التي ستقضيها بعد انتهـاء الزيارة..
- محمد...أكلمك...
انتبهت على صوت يوسف...
- كنت سرحان شوي...
- قل شويات....المهم...عندي دوام اللحين...أوصلك
قاطعته
-لا...رح للمطار...وأنا أدل البيت..
-معقولة...ترى مر عشر سنين..
- أنت رح المطار وما عليك...
أطاعني واتجه للمطار..
المطار!!!!
كلمة أثارت شجوني....التفت إليه وبنظرات كلها أسف..
- يوسف ....
قاطعني كعادته كلما ذكرته بالماضي..
- يا ربي بتبدى الموال....تكفى خلني أدوام وأنا رايق...محمد أنسى ياخوي وابدأ صفحه جديدة..
زفرت بألم..
أنسى...وكيف أنسى؟!!
النسيان نعمه يبدو أني حرمت منها....
كيف أنسى!!
هل أنسى أمي اللي ماتت كمدا وحزنا علي وأنا في السجن؟!!
أنسى زهرة شبابي التي ذبلت!!
أنسى أحلامي اللي اغتيلت!!
وأمنياتي التي سحقت !!
والعار اللي الحق بي وبكل فرد في عايلتي!!
صعب أنسى ...
وان نسيت فسأجد من يذكرني!!!
- الظاهر ما أنت معي...
أعادني صوت يوسف للواقع..
كنا وصلنا للمطار..نزلت من السيارة لأودعه.. وبعد ما اختفى عن نظري ودخل المطار ركبت السيارة..كنت غير مستعد نفسيا للعودة للبيت..واتجهت لحينا القديم.. رغم التغير والتقدم الهائل إلا أنني لم أجد صعوبة في الوصول للحي القديم..
جبت أنحاء الحي...وأنا اجتر الذكريات..
كنت مثل أي مسافر عاد لوطنه...لكن سفري كان قسري..
السفر!!!!
كانت بداية مأساتي السفر....كنت سعيدا وأنا أوضب حقيبة السفر...بعد امتناع سلمى عن مساعدتي..لازلت أتذكر ذلك اليوم السعيد ...كانت جالسه على طرف السرير عابسة الوجه تعض على شفتيها بغيض..
- مصمم على السفر...
ابتسمت عندما شعرت أنها تحاول تكتم غضبها...وتضبط أعصابها...
- كلها عشره أيام وراجع...ليش هالزعل كله !!...و
قاطعتني بعنف...
- أصلا أنت أناني...
وبرود قاتل رددت عليها
- أنا !! حرام ليش تظلميني..
شدت نفسا عميقا...
- ما فكرت فيني...حامل .... ...وأمك وأبوك بعد محتاجينك..كلنا محتاجينك يا محمد...
- حتى أنا والله ما استغني عن وجودكم وغيابي ماراح يطول..
لم أكمل عندما سمعت ارتطام الباب معلنا خروجها غاضبه من الحجرة..
- لو سمحت...
أعادني ذلك الصوت الطفولي للواقع..كنت أقف عند الإشارة..وولد في العاشرة من عمره...يمد يده باستجداء...منظره أثار استغرابي لأني رأيت طفل آخر خلف سيارتي يكلم سائق آخر..
منظر لم أتعوده قبل دخولي السجن....مددت له يدي بورقه نقدية فئة عشرة ريالات..
وبسبب نظراته المستخفة سحبت العشرة من يده التي لازلت ممدوه ...
لا يستحقها بالتأكيد..
فتح الضوء الأخضر...ومشيت...لكن لم أنسى نظرات الطفل المستخفة..
نظرات!!!!
اجل تذكرت نظرات ياسر المستخفة..ومحاولاته التقليل من كل من هو اقل منه..وهو مالم اقبله على نفسي فكنت أنا وهو في صدام دائم..
كان وقح مغرور...مستهتر بالآخرين..كل ما أكره من صفات تجسدت في شخصه..
صدمت عندما علمت بأمر سفره معنا...ولو علمت مسبقا لما سافرت...
ولولا إصرار بدر ونواف لما سافرت...
قضيت ليال طويلة وأنا ماانفك أفكر..فيمن كان خلف تلك التهمه التي ألصقت بي...وبعد تفكير عميق وطويل لم أجد غير ياسر...
أجل هو بالتأكيد خلف التهمه التي ألصقت بي..
على صوت انحراف السيارة التي أمامي تنبهت..عندما سمعت شتائم السائق في تلك السيارة علمت أني بسبب سرحاني وشرودي كدت أتسبب بحادث أليم..
أوقفت السيارة على جانب الطريق... ...الشمس انحرفت للمغيب..
واخذ المطر يتساقط..أخذت نفسا عميق...كم أحب رائحة المطر...دائما تذكرني رائحته بقريتنا الصغيرة مرتع الصبا والطفولة.......
اخترت أن أقف تحت المطر لأثبت لنفسي أني حر...ولي حق الاختيار...
مضى الوقت سريعا...وأنا بين حنين للماضي..وخوف من المستقبل...ومشاعر شتى تجتاحني...غضبا...وحقد ...وخوف ...
وفي منتصف الليل وصلت لمنزلي ... ولم اتصل كما وعدت يوسف لأخبرهم بموعد خروجي.. تأخرت عن قصد لعلم أن والدي ينام مبكرا..وكنت أؤجل رؤيته..فتحت الباب بمفتاح أعطاني إياه يوسف...وتسللت لداخل المنزل ..
كنت اعلم أن دخولي في منتصف الليل لبيتي غير مأمون النتائج لكن لم أقاوم الرغبة التي تلح في داخلي... في منتصف الصالة كنت أتلمس الحائط بحثا عن زر الكهرباء.. وفوجئت بنور يملأ الصالة..وسمعت صوت بكاء خافت..التفت للخلف ..لأراها..
كانت واقفة ..بوجه غطته الدموع...عندما رأيتها على تلك الحالة علمت أن يوسف أخبرها بخروجي..
نظرت إليها بحب..عشر سنوات مرت...حرمت رؤيتها...في اقل من ثوان تفحصتها وأنا لم أزل واقفا في مكاني...جعلتها السنوات أكثر أنوثة وجمالا...كما هي دائما رأيتها هالة من نور تسطع في ظلمة حياتي..
جاءت إلي...ورمت نفسها على صدري وغرقت في بحر من الدموع..
-2-
كان الدقائق تمر علي بطيئة وأنا في انتظاره..من بعد اتصال يوسف..وأنا أقوم بواجباتي اليومية بعجل.. وجلست على الكنبة أخيرا بعد ما خلدت أريج للنوم...ودخل عمي غرفته..
أطفأت التلفزيون وأنوار الصالة..كنت انتظر زائـــر عزيز على قلبي..في مثل هذا الوقت من كل يوم ..كنت اقضيه في ملل وارق...وأحيانا خوف من أي صوت اسمعه من خارج المنزل..
وها أنا انظر إليه وأتأمل ملامح وجهه وهو نائم..وأخيراً خرج زوجي من السجن...ما أصعبها من كلمه..
السجن !!!
كان هو مسجون خلف القضبان ..وأنا مسجونة بلا قضبان..ما أصعبها حياة التي عشتها بعيدة عنه..تحملت مسؤولية البيت من بعده..وتهت في غيابه في دوامة من الأحزان والآلام...قبل دخوله لسجن كنت أتباهى بان كل قصص الحب غير كاملة إلا قصة حبي أنا....
قصة حب تقليديه لابن عمي..كتمت حبه داخل صدري..وما بحت لأحد بسري..
تفتح قلبي الصغير على حبه...وما إن اسمع صوته أو يذكرون اسمه...إلا واسمع دقات قلبي تدق كطبول...حتى يخيل إليَّ أن كل من في البيت يسمع دقاته..
قاسيا هو الحب من طرف واحد....و لم أعلم أنه لم يكن حب من طرف واحد..
فمحمد يبادلني حبي الصامت كما علمت منه فيما بعد..
كنت زوجه لمحمد وأنا لم أكمل الثامنة عشر من عمري..وهو يدرس في سنته الجامعية الأخيرة..تلك ألسنه كانت الأجمل والأحلى ..
كنا صغار...وزواجنا بين مد وجزر..
حتى خلافاتنا الصغيرة كانت تافهة..أنا بعنادي وهو بتعنته واستفزازه الدائم لي.. لكن ما أعذب تصالحنا بعد حروبنا الطفولية..
وبعد ثلاث سنوات كانت الفاجعه بدخوله السجن..
عدت للواقع عندما سمعت صرير الباب..
أطلت أريج بوجهها ونظراتها منصبه على النائم في السرير..مشيت بخفه وأمسكت بيدها وخرجت وأغلقت الباب بهدوء..
رفعت أريج وجهها بنظرات كلها تساؤل وحيره..
تنهدت بعمق....الآن بدأت مهمتي في إخبارها وإخبار عمي بوصول الحبيب الغائب..
- 3-
أحسست بأنفاس حارة على وجهي..وفتحت عيني ببطء..انتفضت بحركة لا إرادية وفي نفس الوقت رأيتها تلوذ بالفرار..تظاهرت بالنوم عندما رأيتها تطل مره أخرى..وبعينين شبه مغمضتين رأيتها تعود مرة أخرى كانت تمشى بخفه...والابتسامة تعلو وجهها البريء..
واقتربت من السرير من جديد..وقربت وجهها من وجهي..وهي تتأمل شيئاً ما في رأسي بتركيز أثار استغرابي.. ما هو الشيء الغريب الذي يجعها تتفحصني بهذه الطريقة المريبة !!!
سحبت يدي من تحت الغطاء وأمسكت يدها بأحكام..وحملتها بخفه ووضعتها في حضني بعد ما عدلت جلستي..
كانت مستسلمة لي وابتسامة خجلى تعلو محياها..
أي مشاعر غريبة اجتاحت كل خلية في جسمي..
قبلتها ...قبلة حمَّلتها شوق وحنين سنين الحرمان التي مضت..
سألتها:
- عرفتِ من أنا؟؟
بصوت عذب ردت:
- أنت بابا....
ما أعذبها من كلمه.....
بابا...
كلمة تغلغلت إلى أعماق روحي وحنايا وجداني....
وبصوت طفولي...
-أنا أريج عرفتني..
- أكيد عرفتك...
وقفت ورجعت تتأملني ...وهذه المرة كانت تتأمل شعري بنظرات متفحصة..
ابتسمت بخجل عندما رأت نظراتي المتسائلة...وبكل براءة :
- أنت عندك شعر ابيض..
أثار سؤالها استغرابي أكثر من نظراتها الغريبة..
-شعر ابيض!!!
-إيه شعر ابيض....
-ما ادري أنت شوفي....
اقتربت أكثر.. تجرأت وتفحصت شعري بأصابعها الصغيرة...وأنا أحاول أن أكتم ضحكتي..
- الحمد لله ما فيه ابيض..
ابتسمت بسخرية..أي شعر أبيض تبحثين عنه يا أريج...والسواد الذي غطى حياتي منع أي بياض أن يتخلله حتى لو كان بياض الشيب....فعالمي حالك السواد ...يلفه اليأس من كل اتجاه..
تنهدت بارتياح...
-علشان تنقهر أفراح...
- من أفراح ؟؟
- بنت جيراننا..دايم تقول أبوك شعره ابيض..الحين بقولها الحمد لله إني عندي أبو اثنين واحد شعره أبيض وواحد شعره أسود..
ضحكت على براءتها ضحكه لم أضحكها منذ زمن بعيد...وزاد حقدي على من حرمت بسببه هذه السعادة..
جلست أمامي....
- قريت رسايلي اللي أرسلتها..
أجبتها بحيرة...
-رسايلك!!
- أكيد قراها..
جاني صوت سلمى المنقذ..
- أريج أبوي زعلان منك...ويسأل وينك؟؟
قفزت من فوق السرير بخفه....وشعرها يتطاير من خلفها..
سألت سلمى بعد خروجها...
- وشي هالرسايل اللي تسأل عنها؟؟؟
- أنا قايله لها انك مسافر..وكانت تكتب رسايل ورسومات وتطلب أوصلها لك..وكنت أوهمها انه وصلت لك....وأحيانا اكتب لها رسايل باسمك لها..
-تصدقين توقعت ما تتقبل وجودي بالسهولة..
ضحكت ...
-طول فترة غيابك...وأريج ما تنام إلا بعد ما احكي لها عن بابا..وقصص بابا البطولية...
بصوت ساخر.
- أي قصص بطوليه يا سلمى تحكينها لأريج...
وسمعت صوت أريج تنادي أمها..
- فيه قصص كثيرة..بعدين احكيها لك إن شاء الله لكن اللحين أريج تنادي.. أكيد عمي طلب منها تناديك..
خرجت خلفها بتردد...وأنا أقدم رجل وأؤخر الأخرى..
ورأيته واقف ينظر إلي...خنقتني العبرة عندما رأيته وقد امتلأت عيناه بالدموع..هالني مظهره وقد انحنى ظهره...ورسمت المأساة خطوطها في وجهه على شكل تجاعيد عميقة...
كنت احتسي الشاي الساخن بشفتين فاترتين تجمد الإحساس فيهما..وعيناي مثبتتان على الدخان المتصاعد من كوب والدي..حتى اتحاشى النظر إلى عينيه..وأنا استمع إليه وهو يحكي لي كل التطورات التي حدثت في حياته بعد دخولي السجن..وعن انتقاله بعد المضايقات التي كان يواجهها..وعن متجره الصغير الذي استطاع من خلاله أن يكفل حياه مستورة لزوجتي وابنتي..
وبعد لحظات صمت سألته سؤالي اليتيم الذي كان يدور في رأسي..
- ماتت وأنا ما طلبت منها تسامحني...تتوقع سامحتني؟؟
وأطلق زفرة حرى..
- الله يرحمها... عمرها ما شالت في قلبها عليك..
- اللي ذابحني يابوي إنها ماتت وأنا بعيد عنها..نهايتها كلها تعاسة وحزن ..وأنا السبب...
- محمد يا ولدي..أمك ماتت الله يرحمها وهي تدعي لك في كل ساعة..وكانت تتمنى تشوفك وأنت بين زوجتك وبنتك..لكن الحمد لله على كل حال..أنسى الماضي..وفكر في المستقبل وفكر في اهلك ومستقبلهم..
أي مستقبل لإنسان مثلي ...كلمات رددتها في سري بسخرية..
ربت بيده على كتفي بحنان...
- لا أنا ولا أمك قدرنا نشيل في قلوبنا عليك...أنت والدنا الوحيد وأملنا في هالحياة...احنا زعلنا على حالك....لكن الحمد لله على كل حال..
- 4 –
ومرت الأيام سريعا.
كنت في المقهى بعد مضي أكثر من شهر من خروجي من السجن..جالسا مع بعض الرفاق الذين تعرفت عليهم وأنا في السجن..
كنت اقضي اغلب وقتي معهم ولا أعود إلى البيت إلا متأخر..ليس حبا في رفقتهم ولكن هروب من واقعي..فقد أطلت الحقيقة بوجهها البشع بعد أيام من خروجي من السجن..ما أنا إلا سجين سابق...مستقبلي تحطم....وأصبح أشلاء متناثرة ولن أستطيع إعادة بنائه..
حاولت أن أعود لحياتي الطبيعية وأكون ابنا بارا وزوجا محبا ووالدا حنون..ولكن لم استطع أن العب هذه الأدوار..
حاولت ولكن لم استطع..فضول الجيران وأسئلتهم هو من اكبر أسباب عدم ذهابي مع والدي متجره الصغير..
أين كنت مسافر؟؟
لماذا لم تأتي لأرض الوطن قبل هذا اليوم؟؟
لما تركت والدك وهو في هذا السن يتحمل مسؤولية أسرتك؟؟؟
أسئلة كنت أحاول تجنبها وتجنب أصحابها حتى ولو اتهمت بالكبر والغرور كما سمعت منهم..
وصرت أكثر انعزالا وأكثر انفرادا بنفسي..
إلا من رفقة السجن..فمأساتنا المشتركة ورفض المجتمع لوجودنا... قرب بيننا على اختلاف طباعنا...
ومع هذه الرفقة تعودت على عادات سيئة لم أمارسها من قبل مثل التدخين...
لم أدخن وأنا مراهق..ولم أدخن أيام محنتي في السجن..وأشعلت أول سيجارة وأنا رجل في الخامسة والثلاثين من عمري..
يا لحظي العاثر !!!
كنت أظن أن حالي سيكون للأفضل عند خروجي من السجن...ولكن أحسست بإحباط ويأس شديد منذ وطئت قدمي خارج السجن..
حتى أصحابي القدامى لم يزرني أي شخص منهم...ولم أعتب على أحد مثل نواف وبدر..منذ ذلك اليوم في المطار لم أرهم ولو بزيارة وحيدة...حتى والدي لم يرهم منذ دخولي للسجن..
خرجت من المقهى الساعة الثانية فجرا....مثل عادتي كل ليله لا أعود إلا بعد نوم الجميع ..
تجمدت وأنا في طريقي لسيارتي بعد ما سمعت ضحكة اعرفها وامقت صاحبها..نظرت لصاحب الضحكة....كان هو بشحمه ولحمه..
ياسر...
لم ينتبه لوجودي...كان راكبا سيارته ويكلم صاحبه الذي بجانبه..
مشت السيارة من جانبي وأنا مذهول ..
هل يعقل!!!
لم ابرح مكاني....وأنا غارق في بحر من الأفكار...
كانت حالته المادية متوسطه..ومن المستحيل لمن هم في مثل حالته أن يركب تلك السيارة الفارهة....
كان هذا الياسر موضع شكي..وبعد رؤيتي لسيارته تأكدت شكوكي....
يبدو انه يتاجر تجاره مربحه جدا..
توجت للبيت وأنا أحس بنار مشتعلة بصدري....نار الانتقام والحقد والنقمة من كل شيء..
وصلت لبيتي الغارق في السكون..وأنا أصعد الدرج تفاجأت بأريج تخرج من حجرتها وتطل برأسها....
وصلت إليها وحملتها..أريج هي الوحيدة التي ممكن أنسى معها همومي ولو لدقائق بسيطة....
بعد ما قبلتها أنزلتها على الأرض..
- ليش يا شقية للحين صاحيه ؟
- انتظرك...
- لا تنتظريني مره ثانيه...نامي بدري..
سألتني بلهفة...
- جبت الكراسة والألوان..
وضعت يدي على جبيني بأسف...
-لا والله ما تذكرت..
بحزن وأسى رددت كلمتي
-ما تذكرت !!
-خلاص بكره أجيبها لك.. ياللا روحي نامي.. ما علموك في المدرسة انه السهر مهوب زين..
هزت كتفيها بأسف ومشت حتى وصلت لحجرتها...وقبل وصولها التفتت إلي وبحزن قالت...
-علموني في المدرسة انه السهر مهوب زين..وعلموني بعد أنه الكذب حرام..
حاولت أن أمازحها...
-يعني أنا كذاب
-إيه أنت كذاب...
قالتها بإصرار...
وركضت إلى حجرتها وهي تمسح دموعها..
لو كنت في حال أفضل لراضيتها..ولكن رؤية ياسر قلبت حياتي وأعادت لي ذكريات ظننت أني نسيتها..
فتحت باب حجرتي لأجد سلمى جالسة تنتظرني..
كنت أعلم عن ماذا ستحدثني...فهذا هو حالنا كل ليلة..
سمعتها بصوت لا اثر للانفعال فيه...
- محمد...
رددت عليها بملل..
- نعم...
- ممكن أكلمك شوي...
تنهدت بضيق
- اجلي ها لكلام للصبح إذا أمكن...
حاولت أن تتمالك أعصابها
- أي صباح ألي تكون نايم فيه إلى الظهر...ومن بعده تطلع وما نشوفك..
جلست على المقعد متأففا..
-سلمى...لو سمحتي انهي ها لنقاش..
-محمد حرام عليك...مهوب مهم لا أنا ولا أنت...فكر في أريج وفي أبوك..
سكتت قليلا لترى تأثير كلماتها علي وأكملت...
-انك انسجنت مهوب نهاية الدنيا..كلنا ندري انك برئ وانه اتهمت ظلم...لا تعاقبنا وتعاقب نفسك ...كفاية عقاب السنين اللي راحت..
رديت عليها بسخرية...
-لا مهي كفاية..السجن عار بيظل معي حتى أموت..وحتى لو مت..بنتك لو كبرت أي واحد خطبها أول ما يدري عن ماضي أبوها بيتركها..
-إحنا انتقلنا من بيتنا القديم لهالسبب وما فيه احد يدري عن الماضي..
سألتها بسخرية...
-وهالفضولين جيرانك تظنين انه بتمر عليهم كذبة السفر..لازم انه الحقيقة بتظهر في يوم من الأيام...
تنهدت بعمق...
-طيب وإذا عرفوا انك كنت مسجون..وش بيصير أكثر من اللي صار؟!!!..علشانا أنسى...وارجع لحياتك معنا...أنت رجعت بجسدك...لكن روحك للحين ضايعه..
رددت عليها بأسى...
-لا مهي ضايعه .. إلا ماتت من زمان..
قامت بعصبيه...
-أنت ليش عايش في قوقعه منت راضي تطلع منها..أنا كنت مسجون..أنا اتهمت وأنا برئ..أنا عمري ضاع..
ترى حتى أنا كنت مسجونة..حبيبي وزوجي انتزع من بينا ظلم..وعمري ضاع وما لقيته إلا لما شفتك..لكن رغم كل اللي صار..واجهت الكل بقوة..وقمت بواجبي كزوجه زوجها مسافر ولازم يوم من الأيام بيرجع..وأم لبنت ما ابي أحسسها بفراق أبوها..
بصوت حاد أجبتها...
-مشكورة وما قصرت..لكن ما وجهتي اللي واجهت ولا عشتِ اللي عشته..فلا تتكلمين عن شي ما حسيته!!
-وش اللي عشته وما عشته أنا!!
وقفت بعصبيه...حتى صرت أمامها وبغضب أجبتها..
-أنا أقولك..تدرين أول ما قبضوا علي..كنت أقول إني برئ ومصر على براءتي..ما سألتِ نفسك ليش غيرت أقوالي واعترفت..
عندما رأت الغضب يبرق من عيناي...تراجعت للوراء قليلا...
-أكيد ضغطوا عليك...
رددت كلماته بسخرية...
-ضغطوا عليك..الله ما أسهلها من كلمه..تعرفين وشي الضغوط اللي مورست ضدي واعترفت...في السجن كلمة ضغوط لها دلالات كثيرة..ويمكن كنت جبان..بعد ما شفت نماذج بشرية في السجن... اعترفوا بطرق بشعة..اعترفت قبل ما تهان آدميتي..واحفظ بقايا كرامه بعثرت باتهامي...لكن الجبن صفه تذبح يا سلمى تذبح..
- محمد أنسى كل اللي صار...
-أنسى أنسى أنسى....لا تذكرين ها لنسيان..
بصوت يقطر أسى...
- وش تبيني أقولك...عش يا محمد في برجك المأساوي....واتركنا احنا ضحية هالمأساة..
-اعتبروني ما طلعت...أو اعتبروني مت ..
-بس أنت طلعت وما مت...وقدامنا...تبينا نعيش الحرمان وأنت معنا!!
-خلاص اعتبرين مش موجود..ومن اليوم ورايح بطلع من حياتكم..ومارح ارجع إلا إذا عرفت من وراء كل اللي صار لي..
سألتني...
-وإذا عرفت وش بتسوي..بترفع عليه قضيه مثلا..وأنت أدرى انه القضية انتهت بسجنك ومافيه شي ممكن يفتحها...وعارف وش مصير هالقضايا اللي من هالنوع..
-أكيد عرف مصير هالقضايا....لكن صدقيني روحي ترخص في سبيل قضيتي...ويا قاتل أو مقتول..
- يستاهل هالانسان انه تخسر حياتك
-مهوب عشانه بخسر حياتي....بدفعها ثمن لعمري اللي راح هدر..
-واحنا؟؟
- قلت لك اعتبروني ما طلعت...أنا يا سلمى خريج سجون وزوج فاشل وأب كذاب....انسوني خلاص..
وخرجت من منزلي وصدى كلماتي يتردد في عقلي..
خريج سجون وزوج فاشل وأب كذاب...كنت كغريق تتخبطه الأمواج لتوقعه في ذلك المثلث المميت...خريج سجون وزوج فاشل وأب كذاب..هل يا ترى ستظل حياتي حبيسة لذلك المثلث القاتل ..
يُـ.ـ.تــــ.بـــــ.ع
زائــــر الليــــــــل
للكاتب: احمد666
- 1 -
وخطوت أول خطوه لي خارج السجن..
خطوة تمنيتها منذ زمن طويل..مشيت بضع خطوات ووقفت استجمع شتات نفسي.. ونظرت خلفي..وتأملت السجن بأسواره العالية وأسلاكه الشائكة ...وحراسته المشددة..
تنهدت بقوه...حسبت معها أن قلبي سيقفز خارج صدري..
خلف تلك الأسوار قضيت أتعس سنوات عمري..أتجرع المرارة والقهر..تتقاذفني أمواج الألم والعذاب..أعيش حياة كئيبة بلا لون ولا طعم...وإحساسي بالعجز يقتلني..
عشر سنوات ولا بصيص نور يبدد عتمتها..
وتراقصت صور بلا ملامح..لوجوه اعرفها..وتذكرت ذلك اليوم التعيس..الذي قتلت فيه العدالة..وانتحرت الحقيقة على أيد الغدر والخيانة..
هاجتني الذكريات الأليمة بشراسة..ذكرياتي أنا ما هي إلا مأساة كتبت اسطرها بيد الغدر لتخط بحبر اسود فصول من العذاب والألم... كان حبرها سنين عمري وحريتي وأحلامي..
- محمد....
انتشلني ذلك الصوت من أحزاني....وأعادني من تأملاتي...
ونظرت لصاحب الصوت وهو مقبلا علي....وابتسمت رغم عني ...وأنا أتأمله بمودة..
ارتمى في حضني...ودفن رأسه في صدري ...وبصوت متقطع..
- أخيرا...طلعت!!
ابتسمت بسخرية..
- الحمد لله ربك سهل وطلعنا....
ربت على كتفي بود...
- الحمد لله على سلامتك...
- الله يسلمك...اشلونك؟؟ وكيف أبوي؟؟ وو
قاطعني وهو يمسك بيدي...
-كلنا بخير...عمي وسلمى وأريج...كلهم مشتاقين لك..
أمسكت بيده وأوقفته بعنف...
- قلت لهم عن موعد طلعتي؟
-لا تطمن ما احد يدري..لكن اتصل قبل ما تروح..أخاف احد يجيه سكته قلبيه..وينقلب الفرح حزن..
عندما وصلنا للسيارة فتح لي باب السائق...
- تفضل طال عمرك...
تجاوزته متجها لمقعد المجاور للسائق..
-سق أنت..
- اوكيه.... دع القيادة لنا وتمتع بالراحة..
بعد ما ركبت رحت أتأمل يوسف ابن عمي واخو زوجتي..يصغرني بعامين..هو الوحيد الذي لم يتخلى عني وقت محنتي..رغم انه كاد أن يفقد عمله بسببي..
- نور الرياض والله..
جاءني صوته..
رددت عليه بصوت ساخر
-للي يسمعك يقول مسافر..ترى حتى أنا كنت في الرياض..أتنفس هواها..وأمشى على أرضها...تصدق..ما ادري ليش توقعت أول ما اطلع من السجن ارفع يدي أغطي عيني من نور الشمس كأني كنت مسجون تحت الأرض..الظاهر متأثر بأفلام ابيض واسود..
قاطعني يوسف بصوت مازح
- بخصوص يدك اللي بتحطها على عيونك...عاد أنا توقعت تحطها على راسك من المطر.
رفع بصره إلى السماء وهو يتأمل السماء الملبدة بالغيوم..
- لكن الظاهر النشرة الجوية ما عندهم سالفة....ما علينا...الله يا محمد لو تشوف أريج..
قاطعته بلهفة لم أحاول أن أخفيها
- كبرت؟
رد ممازحا
- العرسان طوابير ...وأنت تقول كبرت...وأم أريج ما ودك تسأل عنها؟!!!
-اشلونها سلمى؟؟
-بخير...كانت دايم تتمنى تزورك لكن أنت الله يهديك ترفض..
-كنت اكلمها تلفون...وصدقني ما كنت أحب أتعبها..
وأشحت بناظري إلي الجهة الأخرى..وتذكرت مكالماتي المتقطعة لها..والتي ما تخلو من طلبها الدائم رؤيتي..وهو ما كنت ارفض رفضا قاطعا..لا اعلم ربما هو كبريائي الذي كان يجبرني على رفض زيارتها رغم شوقي حتى لا تراني في لحظات ضعفي وهواني...وقمة انكساري..أو كنت أحاول أن أجنبها المضايقات التي كانت ستواجه عند زيارتي....واللحظات الصعبة التي ستقضيها بعد انتهـاء الزيارة..
- محمد...أكلمك...
انتبهت على صوت يوسف...
- كنت سرحان شوي...
- قل شويات....المهم...عندي دوام اللحين...أوصلك
قاطعته
-لا...رح للمطار...وأنا أدل البيت..
-معقولة...ترى مر عشر سنين..
- أنت رح المطار وما عليك...
أطاعني واتجه للمطار..
المطار!!!!
كلمة أثارت شجوني....التفت إليه وبنظرات كلها أسف..
- يوسف ....
قاطعني كعادته كلما ذكرته بالماضي..
- يا ربي بتبدى الموال....تكفى خلني أدوام وأنا رايق...محمد أنسى ياخوي وابدأ صفحه جديدة..
زفرت بألم..
أنسى...وكيف أنسى؟!!
النسيان نعمه يبدو أني حرمت منها....
كيف أنسى!!
هل أنسى أمي اللي ماتت كمدا وحزنا علي وأنا في السجن؟!!
أنسى زهرة شبابي التي ذبلت!!
أنسى أحلامي اللي اغتيلت!!
وأمنياتي التي سحقت !!
والعار اللي الحق بي وبكل فرد في عايلتي!!
صعب أنسى ...
وان نسيت فسأجد من يذكرني!!!
- الظاهر ما أنت معي...
أعادني صوت يوسف للواقع..
كنا وصلنا للمطار..نزلت من السيارة لأودعه.. وبعد ما اختفى عن نظري ودخل المطار ركبت السيارة..كنت غير مستعد نفسيا للعودة للبيت..واتجهت لحينا القديم.. رغم التغير والتقدم الهائل إلا أنني لم أجد صعوبة في الوصول للحي القديم..
جبت أنحاء الحي...وأنا اجتر الذكريات..
كنت مثل أي مسافر عاد لوطنه...لكن سفري كان قسري..
السفر!!!!
كانت بداية مأساتي السفر....كنت سعيدا وأنا أوضب حقيبة السفر...بعد امتناع سلمى عن مساعدتي..لازلت أتذكر ذلك اليوم السعيد ...كانت جالسه على طرف السرير عابسة الوجه تعض على شفتيها بغيض..
- مصمم على السفر...
ابتسمت عندما شعرت أنها تحاول تكتم غضبها...وتضبط أعصابها...
- كلها عشره أيام وراجع...ليش هالزعل كله !!...و
قاطعتني بعنف...
- أصلا أنت أناني...
وبرود قاتل رددت عليها
- أنا !! حرام ليش تظلميني..
شدت نفسا عميقا...
- ما فكرت فيني...حامل .... ...وأمك وأبوك بعد محتاجينك..كلنا محتاجينك يا محمد...
- حتى أنا والله ما استغني عن وجودكم وغيابي ماراح يطول..
لم أكمل عندما سمعت ارتطام الباب معلنا خروجها غاضبه من الحجرة..
- لو سمحت...
أعادني ذلك الصوت الطفولي للواقع..كنت أقف عند الإشارة..وولد في العاشرة من عمره...يمد يده باستجداء...منظره أثار استغرابي لأني رأيت طفل آخر خلف سيارتي يكلم سائق آخر..
منظر لم أتعوده قبل دخولي السجن....مددت له يدي بورقه نقدية فئة عشرة ريالات..
وبسبب نظراته المستخفة سحبت العشرة من يده التي لازلت ممدوه ...
لا يستحقها بالتأكيد..
فتح الضوء الأخضر...ومشيت...لكن لم أنسى نظرات الطفل المستخفة..
نظرات!!!!
اجل تذكرت نظرات ياسر المستخفة..ومحاولاته التقليل من كل من هو اقل منه..وهو مالم اقبله على نفسي فكنت أنا وهو في صدام دائم..
كان وقح مغرور...مستهتر بالآخرين..كل ما أكره من صفات تجسدت في شخصه..
صدمت عندما علمت بأمر سفره معنا...ولو علمت مسبقا لما سافرت...
ولولا إصرار بدر ونواف لما سافرت...
قضيت ليال طويلة وأنا ماانفك أفكر..فيمن كان خلف تلك التهمه التي ألصقت بي...وبعد تفكير عميق وطويل لم أجد غير ياسر...
أجل هو بالتأكيد خلف التهمه التي ألصقت بي..
على صوت انحراف السيارة التي أمامي تنبهت..عندما سمعت شتائم السائق في تلك السيارة علمت أني بسبب سرحاني وشرودي كدت أتسبب بحادث أليم..
أوقفت السيارة على جانب الطريق... ...الشمس انحرفت للمغيب..
واخذ المطر يتساقط..أخذت نفسا عميق...كم أحب رائحة المطر...دائما تذكرني رائحته بقريتنا الصغيرة مرتع الصبا والطفولة.......
اخترت أن أقف تحت المطر لأثبت لنفسي أني حر...ولي حق الاختيار...
مضى الوقت سريعا...وأنا بين حنين للماضي..وخوف من المستقبل...ومشاعر شتى تجتاحني...غضبا...وحقد ...وخوف ...
وفي منتصف الليل وصلت لمنزلي ... ولم اتصل كما وعدت يوسف لأخبرهم بموعد خروجي.. تأخرت عن قصد لعلم أن والدي ينام مبكرا..وكنت أؤجل رؤيته..فتحت الباب بمفتاح أعطاني إياه يوسف...وتسللت لداخل المنزل ..
كنت اعلم أن دخولي في منتصف الليل لبيتي غير مأمون النتائج لكن لم أقاوم الرغبة التي تلح في داخلي... في منتصف الصالة كنت أتلمس الحائط بحثا عن زر الكهرباء.. وفوجئت بنور يملأ الصالة..وسمعت صوت بكاء خافت..التفت للخلف ..لأراها..
كانت واقفة ..بوجه غطته الدموع...عندما رأيتها على تلك الحالة علمت أن يوسف أخبرها بخروجي..
نظرت إليها بحب..عشر سنوات مرت...حرمت رؤيتها...في اقل من ثوان تفحصتها وأنا لم أزل واقفا في مكاني...جعلتها السنوات أكثر أنوثة وجمالا...كما هي دائما رأيتها هالة من نور تسطع في ظلمة حياتي..
جاءت إلي...ورمت نفسها على صدري وغرقت في بحر من الدموع..
-2-
كان الدقائق تمر علي بطيئة وأنا في انتظاره..من بعد اتصال يوسف..وأنا أقوم بواجباتي اليومية بعجل.. وجلست على الكنبة أخيرا بعد ما خلدت أريج للنوم...ودخل عمي غرفته..
أطفأت التلفزيون وأنوار الصالة..كنت انتظر زائـــر عزيز على قلبي..في مثل هذا الوقت من كل يوم ..كنت اقضيه في ملل وارق...وأحيانا خوف من أي صوت اسمعه من خارج المنزل..
وها أنا انظر إليه وأتأمل ملامح وجهه وهو نائم..وأخيراً خرج زوجي من السجن...ما أصعبها من كلمه..
السجن !!!
كان هو مسجون خلف القضبان ..وأنا مسجونة بلا قضبان..ما أصعبها حياة التي عشتها بعيدة عنه..تحملت مسؤولية البيت من بعده..وتهت في غيابه في دوامة من الأحزان والآلام...قبل دخوله لسجن كنت أتباهى بان كل قصص الحب غير كاملة إلا قصة حبي أنا....
قصة حب تقليديه لابن عمي..كتمت حبه داخل صدري..وما بحت لأحد بسري..
تفتح قلبي الصغير على حبه...وما إن اسمع صوته أو يذكرون اسمه...إلا واسمع دقات قلبي تدق كطبول...حتى يخيل إليَّ أن كل من في البيت يسمع دقاته..
قاسيا هو الحب من طرف واحد....و لم أعلم أنه لم يكن حب من طرف واحد..
فمحمد يبادلني حبي الصامت كما علمت منه فيما بعد..
كنت زوجه لمحمد وأنا لم أكمل الثامنة عشر من عمري..وهو يدرس في سنته الجامعية الأخيرة..تلك ألسنه كانت الأجمل والأحلى ..
كنا صغار...وزواجنا بين مد وجزر..
حتى خلافاتنا الصغيرة كانت تافهة..أنا بعنادي وهو بتعنته واستفزازه الدائم لي.. لكن ما أعذب تصالحنا بعد حروبنا الطفولية..
وبعد ثلاث سنوات كانت الفاجعه بدخوله السجن..
عدت للواقع عندما سمعت صرير الباب..
أطلت أريج بوجهها ونظراتها منصبه على النائم في السرير..مشيت بخفه وأمسكت بيدها وخرجت وأغلقت الباب بهدوء..
رفعت أريج وجهها بنظرات كلها تساؤل وحيره..
تنهدت بعمق....الآن بدأت مهمتي في إخبارها وإخبار عمي بوصول الحبيب الغائب..
- 3-
أحسست بأنفاس حارة على وجهي..وفتحت عيني ببطء..انتفضت بحركة لا إرادية وفي نفس الوقت رأيتها تلوذ بالفرار..تظاهرت بالنوم عندما رأيتها تطل مره أخرى..وبعينين شبه مغمضتين رأيتها تعود مرة أخرى كانت تمشى بخفه...والابتسامة تعلو وجهها البريء..
واقتربت من السرير من جديد..وقربت وجهها من وجهي..وهي تتأمل شيئاً ما في رأسي بتركيز أثار استغرابي.. ما هو الشيء الغريب الذي يجعها تتفحصني بهذه الطريقة المريبة !!!
سحبت يدي من تحت الغطاء وأمسكت يدها بأحكام..وحملتها بخفه ووضعتها في حضني بعد ما عدلت جلستي..
كانت مستسلمة لي وابتسامة خجلى تعلو محياها..
أي مشاعر غريبة اجتاحت كل خلية في جسمي..
قبلتها ...قبلة حمَّلتها شوق وحنين سنين الحرمان التي مضت..
سألتها:
- عرفتِ من أنا؟؟
بصوت عذب ردت:
- أنت بابا....
ما أعذبها من كلمه.....
بابا...
كلمة تغلغلت إلى أعماق روحي وحنايا وجداني....
وبصوت طفولي...
-أنا أريج عرفتني..
- أكيد عرفتك...
وقفت ورجعت تتأملني ...وهذه المرة كانت تتأمل شعري بنظرات متفحصة..
ابتسمت بخجل عندما رأت نظراتي المتسائلة...وبكل براءة :
- أنت عندك شعر ابيض..
أثار سؤالها استغرابي أكثر من نظراتها الغريبة..
-شعر ابيض!!!
-إيه شعر ابيض....
-ما ادري أنت شوفي....
اقتربت أكثر.. تجرأت وتفحصت شعري بأصابعها الصغيرة...وأنا أحاول أن أكتم ضحكتي..
- الحمد لله ما فيه ابيض..
ابتسمت بسخرية..أي شعر أبيض تبحثين عنه يا أريج...والسواد الذي غطى حياتي منع أي بياض أن يتخلله حتى لو كان بياض الشيب....فعالمي حالك السواد ...يلفه اليأس من كل اتجاه..
تنهدت بارتياح...
-علشان تنقهر أفراح...
- من أفراح ؟؟
- بنت جيراننا..دايم تقول أبوك شعره ابيض..الحين بقولها الحمد لله إني عندي أبو اثنين واحد شعره أبيض وواحد شعره أسود..
ضحكت على براءتها ضحكه لم أضحكها منذ زمن بعيد...وزاد حقدي على من حرمت بسببه هذه السعادة..
جلست أمامي....
- قريت رسايلي اللي أرسلتها..
أجبتها بحيرة...
-رسايلك!!
- أكيد قراها..
جاني صوت سلمى المنقذ..
- أريج أبوي زعلان منك...ويسأل وينك؟؟
قفزت من فوق السرير بخفه....وشعرها يتطاير من خلفها..
سألت سلمى بعد خروجها...
- وشي هالرسايل اللي تسأل عنها؟؟؟
- أنا قايله لها انك مسافر..وكانت تكتب رسايل ورسومات وتطلب أوصلها لك..وكنت أوهمها انه وصلت لك....وأحيانا اكتب لها رسايل باسمك لها..
-تصدقين توقعت ما تتقبل وجودي بالسهولة..
ضحكت ...
-طول فترة غيابك...وأريج ما تنام إلا بعد ما احكي لها عن بابا..وقصص بابا البطولية...
بصوت ساخر.
- أي قصص بطوليه يا سلمى تحكينها لأريج...
وسمعت صوت أريج تنادي أمها..
- فيه قصص كثيرة..بعدين احكيها لك إن شاء الله لكن اللحين أريج تنادي.. أكيد عمي طلب منها تناديك..
خرجت خلفها بتردد...وأنا أقدم رجل وأؤخر الأخرى..
ورأيته واقف ينظر إلي...خنقتني العبرة عندما رأيته وقد امتلأت عيناه بالدموع..هالني مظهره وقد انحنى ظهره...ورسمت المأساة خطوطها في وجهه على شكل تجاعيد عميقة...
كنت احتسي الشاي الساخن بشفتين فاترتين تجمد الإحساس فيهما..وعيناي مثبتتان على الدخان المتصاعد من كوب والدي..حتى اتحاشى النظر إلى عينيه..وأنا استمع إليه وهو يحكي لي كل التطورات التي حدثت في حياته بعد دخولي السجن..وعن انتقاله بعد المضايقات التي كان يواجهها..وعن متجره الصغير الذي استطاع من خلاله أن يكفل حياه مستورة لزوجتي وابنتي..
وبعد لحظات صمت سألته سؤالي اليتيم الذي كان يدور في رأسي..
- ماتت وأنا ما طلبت منها تسامحني...تتوقع سامحتني؟؟
وأطلق زفرة حرى..
- الله يرحمها... عمرها ما شالت في قلبها عليك..
- اللي ذابحني يابوي إنها ماتت وأنا بعيد عنها..نهايتها كلها تعاسة وحزن ..وأنا السبب...
- محمد يا ولدي..أمك ماتت الله يرحمها وهي تدعي لك في كل ساعة..وكانت تتمنى تشوفك وأنت بين زوجتك وبنتك..لكن الحمد لله على كل حال..أنسى الماضي..وفكر في المستقبل وفكر في اهلك ومستقبلهم..
أي مستقبل لإنسان مثلي ...كلمات رددتها في سري بسخرية..
ربت بيده على كتفي بحنان...
- لا أنا ولا أمك قدرنا نشيل في قلوبنا عليك...أنت والدنا الوحيد وأملنا في هالحياة...احنا زعلنا على حالك....لكن الحمد لله على كل حال..
- 4 –
ومرت الأيام سريعا.
كنت في المقهى بعد مضي أكثر من شهر من خروجي من السجن..جالسا مع بعض الرفاق الذين تعرفت عليهم وأنا في السجن..
كنت اقضي اغلب وقتي معهم ولا أعود إلى البيت إلا متأخر..ليس حبا في رفقتهم ولكن هروب من واقعي..فقد أطلت الحقيقة بوجهها البشع بعد أيام من خروجي من السجن..ما أنا إلا سجين سابق...مستقبلي تحطم....وأصبح أشلاء متناثرة ولن أستطيع إعادة بنائه..
حاولت أن أعود لحياتي الطبيعية وأكون ابنا بارا وزوجا محبا ووالدا حنون..ولكن لم استطع أن العب هذه الأدوار..
حاولت ولكن لم استطع..فضول الجيران وأسئلتهم هو من اكبر أسباب عدم ذهابي مع والدي متجره الصغير..
أين كنت مسافر؟؟
لماذا لم تأتي لأرض الوطن قبل هذا اليوم؟؟
لما تركت والدك وهو في هذا السن يتحمل مسؤولية أسرتك؟؟؟
أسئلة كنت أحاول تجنبها وتجنب أصحابها حتى ولو اتهمت بالكبر والغرور كما سمعت منهم..
وصرت أكثر انعزالا وأكثر انفرادا بنفسي..
إلا من رفقة السجن..فمأساتنا المشتركة ورفض المجتمع لوجودنا... قرب بيننا على اختلاف طباعنا...
ومع هذه الرفقة تعودت على عادات سيئة لم أمارسها من قبل مثل التدخين...
لم أدخن وأنا مراهق..ولم أدخن أيام محنتي في السجن..وأشعلت أول سيجارة وأنا رجل في الخامسة والثلاثين من عمري..
يا لحظي العاثر !!!
كنت أظن أن حالي سيكون للأفضل عند خروجي من السجن...ولكن أحسست بإحباط ويأس شديد منذ وطئت قدمي خارج السجن..
حتى أصحابي القدامى لم يزرني أي شخص منهم...ولم أعتب على أحد مثل نواف وبدر..منذ ذلك اليوم في المطار لم أرهم ولو بزيارة وحيدة...حتى والدي لم يرهم منذ دخولي للسجن..
خرجت من المقهى الساعة الثانية فجرا....مثل عادتي كل ليله لا أعود إلا بعد نوم الجميع ..
تجمدت وأنا في طريقي لسيارتي بعد ما سمعت ضحكة اعرفها وامقت صاحبها..نظرت لصاحب الضحكة....كان هو بشحمه ولحمه..
ياسر...
لم ينتبه لوجودي...كان راكبا سيارته ويكلم صاحبه الذي بجانبه..
مشت السيارة من جانبي وأنا مذهول ..
هل يعقل!!!
لم ابرح مكاني....وأنا غارق في بحر من الأفكار...
كانت حالته المادية متوسطه..ومن المستحيل لمن هم في مثل حالته أن يركب تلك السيارة الفارهة....
كان هذا الياسر موضع شكي..وبعد رؤيتي لسيارته تأكدت شكوكي....
يبدو انه يتاجر تجاره مربحه جدا..
توجت للبيت وأنا أحس بنار مشتعلة بصدري....نار الانتقام والحقد والنقمة من كل شيء..
وصلت لبيتي الغارق في السكون..وأنا أصعد الدرج تفاجأت بأريج تخرج من حجرتها وتطل برأسها....
وصلت إليها وحملتها..أريج هي الوحيدة التي ممكن أنسى معها همومي ولو لدقائق بسيطة....
بعد ما قبلتها أنزلتها على الأرض..
- ليش يا شقية للحين صاحيه ؟
- انتظرك...
- لا تنتظريني مره ثانيه...نامي بدري..
سألتني بلهفة...
- جبت الكراسة والألوان..
وضعت يدي على جبيني بأسف...
-لا والله ما تذكرت..
بحزن وأسى رددت كلمتي
-ما تذكرت !!
-خلاص بكره أجيبها لك.. ياللا روحي نامي.. ما علموك في المدرسة انه السهر مهوب زين..
هزت كتفيها بأسف ومشت حتى وصلت لحجرتها...وقبل وصولها التفتت إلي وبحزن قالت...
-علموني في المدرسة انه السهر مهوب زين..وعلموني بعد أنه الكذب حرام..
حاولت أن أمازحها...
-يعني أنا كذاب
-إيه أنت كذاب...
قالتها بإصرار...
وركضت إلى حجرتها وهي تمسح دموعها..
لو كنت في حال أفضل لراضيتها..ولكن رؤية ياسر قلبت حياتي وأعادت لي ذكريات ظننت أني نسيتها..
فتحت باب حجرتي لأجد سلمى جالسة تنتظرني..
كنت أعلم عن ماذا ستحدثني...فهذا هو حالنا كل ليلة..
سمعتها بصوت لا اثر للانفعال فيه...
- محمد...
رددت عليها بملل..
- نعم...
- ممكن أكلمك شوي...
تنهدت بضيق
- اجلي ها لكلام للصبح إذا أمكن...
حاولت أن تتمالك أعصابها
- أي صباح ألي تكون نايم فيه إلى الظهر...ومن بعده تطلع وما نشوفك..
جلست على المقعد متأففا..
-سلمى...لو سمحتي انهي ها لنقاش..
-محمد حرام عليك...مهوب مهم لا أنا ولا أنت...فكر في أريج وفي أبوك..
سكتت قليلا لترى تأثير كلماتها علي وأكملت...
-انك انسجنت مهوب نهاية الدنيا..كلنا ندري انك برئ وانه اتهمت ظلم...لا تعاقبنا وتعاقب نفسك ...كفاية عقاب السنين اللي راحت..
رديت عليها بسخرية...
-لا مهي كفاية..السجن عار بيظل معي حتى أموت..وحتى لو مت..بنتك لو كبرت أي واحد خطبها أول ما يدري عن ماضي أبوها بيتركها..
-إحنا انتقلنا من بيتنا القديم لهالسبب وما فيه احد يدري عن الماضي..
سألتها بسخرية...
-وهالفضولين جيرانك تظنين انه بتمر عليهم كذبة السفر..لازم انه الحقيقة بتظهر في يوم من الأيام...
تنهدت بعمق...
-طيب وإذا عرفوا انك كنت مسجون..وش بيصير أكثر من اللي صار؟!!!..علشانا أنسى...وارجع لحياتك معنا...أنت رجعت بجسدك...لكن روحك للحين ضايعه..
رددت عليها بأسى...
-لا مهي ضايعه .. إلا ماتت من زمان..
قامت بعصبيه...
-أنت ليش عايش في قوقعه منت راضي تطلع منها..أنا كنت مسجون..أنا اتهمت وأنا برئ..أنا عمري ضاع..
ترى حتى أنا كنت مسجونة..حبيبي وزوجي انتزع من بينا ظلم..وعمري ضاع وما لقيته إلا لما شفتك..لكن رغم كل اللي صار..واجهت الكل بقوة..وقمت بواجبي كزوجه زوجها مسافر ولازم يوم من الأيام بيرجع..وأم لبنت ما ابي أحسسها بفراق أبوها..
بصوت حاد أجبتها...
-مشكورة وما قصرت..لكن ما وجهتي اللي واجهت ولا عشتِ اللي عشته..فلا تتكلمين عن شي ما حسيته!!
-وش اللي عشته وما عشته أنا!!
وقفت بعصبيه...حتى صرت أمامها وبغضب أجبتها..
-أنا أقولك..تدرين أول ما قبضوا علي..كنت أقول إني برئ ومصر على براءتي..ما سألتِ نفسك ليش غيرت أقوالي واعترفت..
عندما رأت الغضب يبرق من عيناي...تراجعت للوراء قليلا...
-أكيد ضغطوا عليك...
رددت كلماته بسخرية...
-ضغطوا عليك..الله ما أسهلها من كلمه..تعرفين وشي الضغوط اللي مورست ضدي واعترفت...في السجن كلمة ضغوط لها دلالات كثيرة..ويمكن كنت جبان..بعد ما شفت نماذج بشرية في السجن... اعترفوا بطرق بشعة..اعترفت قبل ما تهان آدميتي..واحفظ بقايا كرامه بعثرت باتهامي...لكن الجبن صفه تذبح يا سلمى تذبح..
- محمد أنسى كل اللي صار...
-أنسى أنسى أنسى....لا تذكرين ها لنسيان..
بصوت يقطر أسى...
- وش تبيني أقولك...عش يا محمد في برجك المأساوي....واتركنا احنا ضحية هالمأساة..
-اعتبروني ما طلعت...أو اعتبروني مت ..
-بس أنت طلعت وما مت...وقدامنا...تبينا نعيش الحرمان وأنت معنا!!
-خلاص اعتبرين مش موجود..ومن اليوم ورايح بطلع من حياتكم..ومارح ارجع إلا إذا عرفت من وراء كل اللي صار لي..
سألتني...
-وإذا عرفت وش بتسوي..بترفع عليه قضيه مثلا..وأنت أدرى انه القضية انتهت بسجنك ومافيه شي ممكن يفتحها...وعارف وش مصير هالقضايا اللي من هالنوع..
-أكيد عرف مصير هالقضايا....لكن صدقيني روحي ترخص في سبيل قضيتي...ويا قاتل أو مقتول..
- يستاهل هالانسان انه تخسر حياتك
-مهوب عشانه بخسر حياتي....بدفعها ثمن لعمري اللي راح هدر..
-واحنا؟؟
- قلت لك اعتبروني ما طلعت...أنا يا سلمى خريج سجون وزوج فاشل وأب كذاب....انسوني خلاص..
وخرجت من منزلي وصدى كلماتي يتردد في عقلي..
خريج سجون وزوج فاشل وأب كذاب...كنت كغريق تتخبطه الأمواج لتوقعه في ذلك المثلث المميت...خريج سجون وزوج فاشل وأب كذاب..هل يا ترى ستظل حياتي حبيسة لذلك المثلث القاتل ..
يُـ.ـ.تــــ.بـــــ.ع