almoder
14-09-2006, 05:22 PM
السلام عليكم ..
هلا فيكم جميعا ..
" غلطة الأيام "
أتمنى أنها تعجبكم ..
1)
دخل خالد القاعة مسرعا بخطوات بدا على الاضطراب والتخبط متحاشيا النظر في وجه المحاضر الدكتور أوين الذي يتميز بالشدة والسخرية الاذعة لأن لا يرشقه بوابل من الكلمات التي لا يستطيع احتمالها ، وقد كان ... المحاضر " وين كنت يا خالد ؟؟
خالد " يا دك دكتور ااه انا امم كان في زحمة في الطريق وما قدرت أني اجي في الوقت المناسب "
الدكتور " آه ، والمفروض مني اني أنظم لحضرتك الطريق علشان ما تجينا في وقت متأخر ولا تبغاني أنقل المحاضرة في بيتكم حتى ما تتعب سعادتك ؟؟ اوووه نسيت أنك عربي وأن مكانتك فوق أنك انك تحضر مثل باقي الطلاب " يقولها وهو يبتسم بسخرية ويرمقه بنظرة بغيظة
خالد كان يستمع لهذا الكلام وهو مطأطئ الرأس لا ينظر في عين الدكتور .
خالد " لا أحنا مو كذا بس ...
المحاضر " رجاءا . ما أبغى أسمع تبريرات أنت نفسك ما أقتنعت فيها , هذا مو أول تأخر لك صح ؟؟
خالد " لا طال عمرك هذا أول تأخر لي "
المحاضر " هاه .. حتى لو كان أول تأخر لك هذا ما يبرر انك تتأخر ... خالد أبغى أشوفك في مكتبي بعد المحاضرة .. تفضل مكانك "
اتجه خالد الى مكانه وسط رصد من أعين الطلاب وكأنهم يتوقعون إنهياره في أي لحظة ممكنة ، طبعا لم يستوعب خالد كلمة واحدة من المحاضرة فقد كان حانيا رأسه وضعا كفية على وجهه المحمر يسترجع شريط المحادثة البغيظ ويتمنى لو كان يستطيع الرد .
بعد المحاضرة لمح خالد اصدقائه في الساحة ماري وعبد القادر و جيمس وتوجه لهم
خالد " هاي "
الأصدقاء " هاي خالد "
بدا على وجه ماري وهي ترد التحية مزيج من الحياء والرحمة فوجه خالد ممتقع وهي لا تزال تتذكر الموقف الذي حصل لخالد في المحاضرة فهي تعرف خالد وشخصيته الخجولة التي قد يؤذيها نظرة في ذلك الموقف ، ماري هي شابة امريكية الجنسية لطيفة ذات شخصية محببة ، مرحة ، نحيلة ، متوسطة الطول ، خجولة أحيانا من الطراز الذي تحمر وجنتيه عند الخجل وتغوص عينيه في محجريهما حتى لا تكاد تتبين ان لها عينين أصلا بل لا تستطيع التحدث عند خجلها فقط تكتفي بطأطأة الرأس ، ماري الشابة التي أصبح ما تكنه لخالد من حب ومشاعر واضحا جليا لكل طلاب الجامعة فهي لا تستطيع أن تخفي نظرة الإعجاب التي ترمقه بها كلما شاح بنظره عنها ، وهي أقرب الأصدقاء الى خالد ، أما جيمس شاب أمريكي من اصول اوروبية طويل عريض المنكبين ، ضحوك ، حاد النظرة ، وهو صديق مقرب الى خالد يميل غالبا الى النقاشات معه فقد وجد في خالد شخصا مثقفا ، ومحاورا متميزا يجيد لغة الاستماع ، جيمس شاب متعقل يملك عاطقة جياشة يواجه صعوبة في التعبير عنها .
أما عبد القادر الشاب الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية شاب لطيف مرح يتكلم العربية بركاكة ذو قلب طيب يؤثر الصمت غالبا ، ذو قامة ممتلئة ، و وجه طفولي يشعرك بالبرائة ، كما لا أنسى انه متفوق في دراسته ...
بعد صمت طويل من خالد لم تطق ماري صبرا فتساءلت " خالد وش صار معاك عند الدكتور أوين والله كنت قلقانة مره عليك "
خالد " والله مدري ، الله يعين بس "
ماري " ليه "
خالد " راح يرفع فيني خطاب انذار , وأي تأخر ثاني راح يحرمني في المادة "
ماري " اووووه "
جيمس " بس كذا ، ما قالك الا كذا ؟؟ "
خالد " لا طبعا , تكلم عن كوننا مسلمين حشرات واننا نشوف أنفسنا على أننا أفضل الخلق وإننا نازيين لكن بثوب مختلف واننا متحجرين يعني الموال اللي تعودت أسمعه "
أشار عبد القادر بيده إشارة تنبئ عن عدم رضا بالوضع .
جيمس " معليش خالد بس انت وش تتوقع منه ؟؟ هو يهودي وأي جاهل تسأله راح يتكلم لك عن كرهكم لليهود وكره اليهود لكم "
خالد " يا رجال عادي ... شباب جوعانين ؟؟ أنا عازمكم في المطعم الصيني "
جيمس " انت اللي بتدفع ؟؟ اجل يلا مشينا ههههه "
الحقيقة ان خالد كون علاقات متميزة في الجامعة حيث أصبح من الصعب أن تجد طالبا في الجامعة لا يعرف خالد ، خالد الشاب اللطيف ، الوسيم ، الخجول ، الذي يعشق مساعدة الآخرين حتى أصبح من الطبيعي ان تشاهده يقص الزرع للجيران أو يساعد الجدة ناسني التي يقطن بجوارها في تنظيف الأطباق ، كان قد مضى على خالد سنة في الجامعة في أمريكا التي انتقل اليها اثر حادث شنيع أودى بحياة جميع أفراد عائلته المكونة من أب وأم و أختين الكبرى هند في المرحلة الثانوية و الصغرى ريم ( أو دلوعة خالد كما يروق للعائلة ان يطلقوا عليها ) و تبلغ من العمر ثمان سنوات ، يعد هذا الحادث بعد هذه الفاجعة التي ألحقت بخالد أمضى خالد مدة شهرين في حزن مطبق لم يستطع أحد أن يتقرب منه أن يحاول جعله يتكلم أن يعبر عما في نفسة الا محمد ... كانت شهرين من الحزن والبكاء حتى أنه لم يذهب الى بيت الجد حيث العزاء بل بقي في البيت يختلس النظر الى الأركان ويبكي أمضى خالد شهرين من العذاب ، أنتقل محمد للعيش مع خالد في هذه الفتره والحقيقة ان محمدا قد بذل كل جهد ممكن للتخفيف عن خالد فتراه تاره يضحك ويذكر خالد بالأيام الخوالي وتارة يذكره بالله وبالصبر وبأجر الصابرين وخالد يردد " لا إله الا الله " " سبحانة ".
بعد جهد جهيد استطاع محمد أن يخفف من آلام خالد ، بدأ خالد بالابتسامة والضحك أحيانا والخروج من المنزل ، صحيح انه لا يزال يملك تلك النظرة الحزينة التي يشرد بها والتي لطالما أرقت نوم محمد الا أنه اصبح بحال أفضل ولا شك في ذلك ,
لــــكن لم يستطع خالد المكوث في البلد ، ضاقت عليه الأرض وهي رحبة ، اظلمت الدنيا في وجهه ، ضاقت الطرق ، وكأن المدينة تعلن عدم قبولها به كفرد وأنه يتوجب عليه الخروج منها قال مره لمحمد وهو يحاول اقناعه بالمكوث " يا محمد يا عزيزي تكفى افهمني والله ما أقدر اجلس هنا أكثر خلاص كل ما مشيت في شارع أتذكر يوم كنت أجيه أنا وأمي وابوي و اخواتي كل ماريت مطعم تذكرت يوم كننا نتعشى فيه أنا وأهلي حتى أني راح انجن ما صرت قادر اني أتحمل خلاص محمد انا قاعد أعيش في عالم كل زاوية فيه تذكرني فيهم كل مكان كل شارع كل بيت والله ما أقدر أرجوك تكفى يا محمد أفهمني محمد أنا ان صبرت أكثر راح أجن راح أموت محمد أفهمني تكفى " وقد حصل ذلك .... تفهم الصديق الوفي محمد الوضع وسافر خالد الى أمريكا لكن محمد قد مكث في الرياض اذ لم يكن يستطيع ان يذهب للدراسة في الخارج نظرا لظروفه العائلية .
في امريكا واجه خالد العديد من الصعوبات لعل أهمها خجله الشديد الذي زاد المهمة صعوبة عليه لكنه بمضي الوقت قد بدأ بتكوين الصداقات واخيرا بدأ الأمر يتحسن شيئا فشيئا ، طبعا لم تنقطع علاقة خالد مح محمد بل ازدادت قوة حيث أصبح خالد يتصل على محمد هاتفيا كل يوم ناهيك عن الزيارات المتكررة لأمريكا والرياض .
2)
كان الجو باردا والثلج يتهادى هابطا كالقطن عندما كان خالد يمشي أمام منزل ماري التي خرجت متوشحة بالشال الأسود الذي لم يبدي منها الا عينيها
خالد : ماري كيف حال ماما شاتي ؟؟
ماري : لا هي بخير الحين
خالد : أقدر أدخل أطمن عليها
ماري : ما أعتقد لأنها تبغى تنام
خالد : ماتشوف شر ان شاء الله
ماري : خالد ماقلت لي ليه متصل علي ؟
خالد : ليه ؟ انتي ما تبيني أتصل عليك ؟
ماري : هاه ... لا وربي ما أقصد بس يعني توقعت ان فيه سبب معين ...
تجيب وهي محرجة
خالد : طيب ... لا بس ضاق صدري شوي قلت أجي أشوفك ونتمشى بعدين انتي لك يومين سهرانة عند ماما شاتي وقلت يمكن تحبين تغيرين جو ؟؟
ماري : أي والله انك صادق والله اني تعبت ... نمشي ؟؟
وهكذا سارا متجهين الى مقهي غروب الشمس ، مكان مقهى ماري المفضل ، حيث اعتادا أن يقضيا اليالي معا
خالد : ماري تعالي من هنا
ماري : طيب بس ترى المقهي من الجهة الثانية
خالد : أي انا عارف بس البارح كنت انا وصديقي سهرانين ونسيت بوكي في بيته أبمر اخذه
ماري : أوكي خالد
خالد : هذا البيت . ....
دلف خالد الى المنزل والأنورا مغلقة ثم صاح بماري : ماري تعالي شوي ابغاك .
ماري : هاه , نعم... أوكي أوكي أنا جاية
دخلت ماري الى المنزل والظلام دامس حتى انها لا تكاد ترى يدها ، الحقيقة ان ماري قد تسلل الخوف الى قلبها اثر سماعها لصوت خشخشة لم تعرف سببه .. صاح بها خالد : ماري ولعي النور حبيبتي
ماري : وين النور ؟؟
خالد : شوفيه بالزاوية هناك جمب الطاولة
فتحت ماري النور فــــصرخت في ذهول فلم تكن تتوقع ما رأته .... رأت احتفالا كبيرا وعدد من ( التورتات ) والشرئط المزينة على الجدران وكاتبات على الجدران لم تفهم كنهها " ألف مبروك ماري " , وشاهدة جميع أصدقائها في الجامعة قد اجتمعوا جيمس و عبد القادر ومايكل وسومي وناعومي وجمع الأصدقاء وسط ذهول قد أرتسم على قسمات ماري نطق خالد موضحا
خالد : حنا مرينا الدكتور اليوم وأخذنا منه درجتك في التاريخ وابشرك ...... نجحتي ..
تشنجت ماري من هول الموقف لولهة ثم صرخت : لا مو معقول وااااااااااااااااااااااااو يارب نجحت ؟؟ أكيد ماني مصدقة اووووه "
تهز يديها في ارتباك وقد أصابتها رعشة في قدميها ...
جيمس " الا صدقي اليوم الدكتور عطانا نتيجتك ... خوفتينا وخوفتي نفسك .... خالد كتب البحث وأنا رحت أتوسط عند الدكتور وبالأخير ناجحة بجيد ؟؟
وهكذا أحتفل الأصدقاء بنجاح ماري التي بدا عليها الفرحة الشديدة حتى انها اصبحت تتصرف بتصرفات غريبة وتضحك بهستيرية .
ظل الأصدقاء الأربعة مع بعضهم البعض وازدادت علاقتهم ببعض وبالعضو الخامس في الرياض " محمد " حتى أنهم أصبحوا أقرب من الاخوة فكل واحد منهم ينظر للآخر كأخ له وليس كصديق ، وازدادت علاقة خالد بماري اكثر فأكثر حيث كانوا يقضون كل ليلة مع بعضهم البعض حتى في أداء الفروض والبحوث الدراسية الى أن يودعها خالد متمنيا لها ليلة سعيدة ، ذات ليلة قال لها خالد : حياتي تعرفين ان لك خمس ابتسامات ؟؟
ماري : خمس ابتسامات ؟
خالد : ايه خمس ، واحدة لما تسمعين نكته او شي يضحك وتضحكين عليه والثانية لما تبتسمين مجاملة لأحد والثالثة : لما تكوني متضايقة وما ودك تحسسين الموجودين والرابعة : لما تشوفي فلم وتتخيلي نفسك مكان البطلة وتبدين تتبسمين ووجهك أحمر، والخامسة : اذا لبستي فستانك الوردي وخصوصا اذا كنتي في مقهى غروب الشمس ...
كانت ماري تعرف خالد جيدا وتحرتم كونه مسلما لذلك فلم تتعدى العلاقة بينهما حدود الشريعة الاسلامية مما قد زادها شوقا وحبا له ودفعها لأن تسلم و تتزوج منه وتتخطى هذه الحدود التي فرضها الدين الاسلامي اذ لم تعد تطيق البقاء بعيد عنه حتى أنها قالت له ذات مرة : خالد تصدق وربي لما أغمض أشتاق لك
وفعلا بدا يخططان للزواج ...
3)
استيقظ خالد صباح ذلك اليوم متعبا وغسل وجهه وخرج و في الطريق لاحظ شيء غريب الكل في الطرقات يتكلم ويصرخ ويقول الغزو الحرب... الأم تلتقط ابنها وتركض به بعيدا وفتيات صغار يبكين على الرصيف موقف مهول ومما يزيد الموقف شده أن خالد لم يستطع أن يتبين سبب ذلك فالناس متخبطين في اقوالهم هذا يقول الغزو اليهودي وهذا يقول انها اليابان وذك يقول روسيا لكنهم أجمعوا على الطائرات ... لم يفهم خالد كنه الموضوع لكنه واصل المشي الى أن وجد تلفازا للعرض في محل والناس متجميعين يشاهدون الأخبار وهنا سمع خالد الصاعقة مباشرة من فم المذيعة " أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش ان المتسبب في تفجير برجي التجاره في نيويوك اليوم هو أسامة بن لادن زعيم حركة طالبان وأن عدد القتلى في البرجين قد يتجاوز ال...."
هنا أغلق خالد اذنية وخر جالسا ثم وضع يديه على وجهه وصمت لبرهة متأملا ، لم يعلم وقتها ما خطورة الموقف لكنه شعر بقلق شديد لم يعلم كنهه ظل يفكر لبرهه لماذا ؟؟ لماذا قد يفعل أسامة بن لادن هذا مالمصلحة المرجوه من قتل الأبرياء بل ليست مالمصلحة المرجوة انما هو فعل محرم شرعا فقتل الأبرياء ذنب عظيم .. هز خالد رأسه محاولا عدم التفكير في قتلى هذا التفجير فهو يجده مجرد التفكير فيها مريع .. تحامل خالد على نفسة وتوجه عائدا الى المنزل جارا قدميه في أنهاك مفاجئ ثم الى الفراش مباشرة محاولا أن يتناسى ما حدث .
في اليوم التالي ذهب الى الجامعة وهناك لاحظ التوتر الشديد فالكل يصرخ ويتكلم ويناقش بحق اختلط الحابل بالنابل توجه الى رفاقة الذين لمحهم في وسط القاعة وفي طريقه اليهم لاحظ ان عيني ماري حمراء كما لو كانت قد بكت لفترة طويلة ووجها محمر وقد اصابتها رعشة هستيرية .... وصل اليهم خالد
خالد : هاي شباب سمعتوا اللي حصل ؟
صرخت ماري في وجهه باكية ..
ماري : اللي حصل ؟؟ تقصد اللي سويتوه هاه ؟؟ سمعنا باللي حصل ؟؟ تبي أعلمك ايش اللي حصل هاه اللي حصل انك فجرتوا في بلدنا اللي حصل انكم عضيتوا اليد اللي اتمدت لكم يا كلاب ؟؟ اللي حصل ان مئات الاف تقتلونها بكل قسوة ووحشة ؟؟ هاه هذا اللي حصل ؟؟ هذا اللي يأمركم فيه دينكم الصحيح يا ارهابي ؟؟ دين السماحة ؟؟ الا دين قتل الأبرياء دين يأمر بدفن مئات الآف أحياء ... صدق دكتور أوين كلكم كذا كلاب بشعة تنهش اليد اللي اتمدت لكم "
وخرت في صياح مستمر
هنا صعق خالد واضطربت جميع الأجهزة الحسية لدية لم يستطع التكلم من هول الموقف بل لم يستطع الحراك ... لم يصدق اذنية من يقول له هذا ماري ؟؟ ماري تصرخ في وجهه يا كلاب يا ارهابيون لم يستطع حتى التفكير وقتها وكأكنه ينتظر البشير الذي سوف يوقظه من النوم لكن للأسف لم يأتي ، تدلى فكه السفلي قليلا لكن لم يستطع التعبير أو حتى التمتمة ثم التفت الى جيمس وكأنه ينتظر منه تفسيرا أو حتى اعتذارا لما قالته ماري وأي تفسير قد يفسرهذا الكلام ... هنا فقط نطق جيمس
جيمس : كلكم واحد كلكم ارهابيين تكرهوننا اصلا هذي اشياء انتم تشربتوها من دينكم ايه من دينك اللي كل يوم تعتذر من المحاضرة علشان تصلي هاه ؟؟ علشان تجدد الكره والبغض لليد الي اتمدت لك وانا اللي كنت أعتقد انك غير ... أول مره في حياتي اخطي في تقييم رجل .. اسف على ثقتي فيك .
التفت خالد دون ان ينبس ببنت شفة وخرج من القاعة مصعوقا مذهولا مما قد سمعه حتى أنه لم يحاول أن يداري دمعة قد فرت من محجر عينيه ... اهؤلاء هم أصحابه اهذا هو جيمس ؟؟ أم هذه هي ماري ؟؟ ماري التي أحبها من كل قلبه ماري ؟؟ وسط هذه التساؤلات فوجئ بنفسه أمام باب شقته فتح الباب ودلف فيه متجها مصلاه حيث صلى ركعتين دعا فيهما الله عزو جل وسط بكاء ونشيج أن يكشف هذه الغمة التي لم يرى منها الا البداية ثم رمى بنفسه على الفراش وأخذ يعيد شريط اليوم محاولا فهم ماحدث بالضبط .
4)
بعد بضعة أيام من الحادثة توجه خالد الى الجامعة على تخوف من لقائة مع ماري وجيمس وباقي الطلاب كيف يقابلهم وهم يرونه الإرهابي المتشدد العاشق للدماء الحاقد الخائن للبلد الذي الذي قدم له كل خير ، وهو في الحقيقة لا يلومهم ولا يلوم ماري على ما قالته نعم فالصاعقة التي حلت بهم تجعلها تقول كل شيء ثم انها لا تعلم عن الاسلام شيئا ولا عن تعاليمه كل ما تعرفه هو ما تلقنهم اياه القنوات الفضائية من أنه دين تشدد وارهاب وهاقد رأت الاجابة الفعلية أمام عينيها ... ثم يتذكر أيامه الجميلة ولحظاته الرائعة التي امتلأت بالحب والعاطفة فيلومها .. كيف تقول له هذا الكلام وهي أقرب الناس إليه ؟؟ ألا تعرفه ؟؟ هل من المعقول بعد كل تلك اليالي وكل هذا الحب أن تكون ماري ترى في خالد الإرهاي النذل ؟؟ أم جيمس ... جيمس الصديق العزيز .. جيمس أول صديق له في الجامعة .. لم ينسى تلك الأيام التي أمضاها معه في الحوارات والضحك والتسلية .. كيف ينساها ؟؟ وبها خرج من ظلمة الحزن و قسوة الملل بلا صديق .. أم كيف ينسى ذلك البحث الذي امضيا في كتابته شهر متواص لينالا الجائز المرتبة الأولى عن البحوث ؟؟ كيف ينساه وقد كان عنوان البحث .. سماحة الأديان السماوية .!!
دلف خالد الى القاعة مطأطئ الرأس لم يحاول أن ينظر في عيني ماري أو جيمس الذين كانا جالسين في وسط الصف ... دون أن يلقي التحية أتجه مباشرة الى الطرف الأبعد عنهما ووضع كتابة وتظاهر بالقراءة من الكتاب وفجأة تذكر أن هذه المحاضرة هي محاضرة الدكتور أوين ... : يا إلهي هذا ما كان ينقصني ... وللأسف حدث ما توقعه خالد فقد أمضى الدكتور أوين المحاضرة بأكملها يتكلم عن الضربة الأمريكية وعن الارهاب وهو يرمق خالد بنظرة ذات مغزى ثم نادى بأسماء الطلاب الذين لم يدفعوا الأقصاد لهذا الفصل وذهل خالد لما رأى ماري تقف مع الذين لم يسددوا الأقصاد لكنه خفض رأسة وتظاهر بعد سماع ذلك لأن لا يجرح مشاعرها ، وأخيرا اختتم الدكتور أوين نشاطه المتميز في الأذية بمناداته عند التحضير بخالد أسامة !!
الحقيقة أن الواقع فاق جميع توقعات خالد اذ لم يتحدث اليه أحد من طلاب الجامعة أبدا حتى المحاضرين الذي كانوا يعشقون خالد لمشاركاته المميز في الصف ، وكأنهم يخشون أن يتهموا بالخيانة عند الحديث معه ؟!
مر هذا اليوم على خالد كأنه شهر اذ لم يتحدث مع أي طالب في الفصل هذا اضافة الى النظرات الي يرمقه بها الطلاب وكأنهم يتهمونه بالخيانة ويجدونه شريكا في قتل أهلهم وذويهم ، على أية حال لم يكن اليوم الذي يليه بأفضل منه فقد ظل خالد على هذه الحالة مدة طويلة لم يكن يتكلم فيها الا الى عبد القادر الذي لازمه في كل وقت وكان يحاول التخفيف عنه ، اذ لم يطق حالة خالد الذي كان يأتي كل يوم بعينين حمراوين متورمتين من البكاء ، عبد القادر الذي لم يواجه مشكلة كبيرة في هذا الجانب اذ كان هو فرنسيا في الأوراق الرسمية أي لا علاقة له بالموضوع ، لازم عبد القادر خالد في كل وقت حتى انه أصبح يتكلم له عن كل ما يشعر به وذات مره اذ سأل عبد القادر خالد عن سبب الحالة التي يراه بها اجابه خالد : والله يا عبد القادر ان كل اللي يحصل من مضايقات في كوم واللي جاني من ماري وجيمس بكون يعني للحين تصدق اني كل يوم وانا نايم أدعي ربي انه يكون حلم مزعج واني لما أجي للجامعة اتفاجأ بجيمس يسلم علي و ماري تضربني على ظهري وتقولي وينك البارح ما جيتني اقول ترى اللي يتغلى يخلى لو هو بالحيل غالي ... زي ما تعودت تقول لي .
خنقت خالد العبرة فانحنى متظاهرا بالتقاط حجر من حذائة ...
في الحقيقة ان عبد القادر كان يبذل قصارى جهده محاولا أخرجا خالد من هذه المحنة حتى انهم أصبحوا يلتقون يوميا في بيت عبد القادر .
في هذه الأيام جائت طالبة جديدة الى المحاضرة تدعى كارولينا يظهر عليها أنها ايطالية هي جميلة من الطراز الذي تقف مذهولا من جماله عند أول لقاء ، متوسطة القامة ، مرحة ، تحب خدمة الاخرين من الطراز الذي يتكلم بكثرة عند الاضطراب ، ذكية وتجيد قراءة الأعين اذ بإمكانها بسهولة أن تكتشف اذا كان هناك شيء قد ضايقك ، تعرف خالد الى كارولينا بعد اعطائه تقسيم منهج المحاضرات لها ، قويت علاقة خالد بكارولينا اذ لا يستطيع خالد أن يمنع هذه العلاقة من أن تقوى فكارولينا من النوع الذي يهتم كثيرا بأصدقائه ويحاول التدخل في حياتهم للمساهمة في حل بعض مشاكلهم ، وقد وجدت في خالد مرتعا خصبا للمشاكل اضافة الى أنها احبته من النظرة الأولى ، كانت كارولينا تدراي على مشاعر خالد من أي كلمة قد تلقى من هنا أو هناك ، دخلت كارولينا حياة خالد من أوسع أبابها ولا أستطيع التبجح والزعم بأنها قد أنسته صدمة ماري لكنها وبكل تأكيد كانت بلسما شافيا وطبيبا مداويا لجراح قد اثخنت خالد .
5)
راحت ماري تحوم في منزلها بقلق شديد وأخذت تقرض أضافرها بنهم وهي عادتها عندما تفكر بعمق . الحقيقة أن ماري لم يغمض لها عين منذ ذلك اليوم الأغبر يوم أن صرخت في وجه خالد . راحت ماري تفكر وتحرك يديها في هيستيرية .. لماذا ؟؟ لماذا فعلتها ... يا إلهي ماذا قلت ... راحت تتذكر أحداث ذلك اليوم وتلك المحادثة حين صرخت في وجه خالد " أيها الكلاب الإرهابيون أيها النذل الخائن" ثم خرت تبكي ، المشكلة أنها لا تعلم لماذا قالت هذا ... بل لم تكن في وعيها يومئذ ... لولا أن جيمس موجود لاعتقدت انها تهذي .. حتى أنها لا تجده مبررا ! كيف يوجه كلام مثل هذا لخالد الذي لطالما عرف عنه الخير والمساهمة في خدمة الآخرين ؟ ومن من ؟ . الحقيقة أن ماري فقدت حياتها بفقد خالد فقدت الحضن الدافئ والكتف العطوف الذي لطالما بكت عليه ، فقدت الشخص الذي لطالما أشعرها بالإهتمام ، فقدت الصوت الحنون الذي يودعها كل مساء متمنيا لها أحلاما سعيدة ، يا إلهي لكم هي بحاجة الى هذا الصوت وهذه الكلمة لكي تستطيع النوم مجددا . بغمضت عين راحت المشاكل تتساقط على ماري من كل صوب : خصامها مع خالد ، أقساط الجامعة التي لا تملكها ولم يبقى على موعد التسديد الا يومين ، و كارولينا وعلاقتها التي أصبحت واضحة مع خالد . بدأت تشعر بأنها ستفقد خالد ... هي بالفعل قد فقدته ... لا هي تعرف خالد وتعرف كم كان يحبها لا لن يتخلى عنها !! لن يتخلى عنها خالد ، ثم تتذكر ماقالته له يوم الحادثة وما تفعله كارولينا الان من مساندة لخالد فتسود الدنيا في وجهها مرة أخرى . هي تعرف كارولينا جيدا كارولينا طيبة لكنها لا تعلم شيء عن علاقتها السابقة بخالد وأنهما كادا أن يتزوجا ، ثم انه يستحق كارولينا نعم خالد طيب ويستحق كل خير ، وكارولينا وقفت معه في أشد الأوقات وهي تحبه أعتقد أن هذا واضح . شعرت ماري بدوار فألقت بجسدها على السرير ثم راحت تفكر . يا إلهي ساعدني ، بدأت تشعر أن الموضوع خارج عن سيطرتها فكيف ستعتذر لخالد كيف ؟ لم تكن تملك القدرة على ذلك .. كيف ستقف وتواجهه بعد كل ماقالته ثم اذا حصل ذلك .. هل ستمتلك القدرة على النطق ؟ هي لا تستطيع التعبير عن مشاعرها اذا كانت محرجة فكيف ستعبر في هذا الموقف اوووه يا إلهي ... ثم لتفترض جدلا أنها استطاعت النطق يومها .. هل سيقبل خالد اعتذارها ؟ نعم هي قد اعتادت على تغاضيه عن أخطائها بل كان يكتفي بالنظر في عينيها لوهلة ثم يقول " تعتقدين راح أقدر أزعل على هذي العيون ؟؟" ، لكن هذه المرة مختلفة ، هي تعلم يقينا أن خالد قد صدم بكلامها .. بكلام من ؟؟ أغلى الناس الى قلبه .. وكيف لا يصدم اذا كانت هي نفسها قد صدمت بما قالته ؟؟ لقد أصبحت بالفعل تكره نفسها . وهكذا أمضت ماري ليلتها في التفكير الممزوج بالبكاء بحرقه .
في اليوم التالي وتحديدا في قاعة محاضرات الدكتور أوين لاحظت ماري أن خالد لم يحضر بعد . وكيف لا تلاحظ ذلك وهي منذ يوم الحادثة قد اعتادت أن تجلس في الخلف لتنظر الى خالد دون أن يلحظ ذلك وكأنها تريد أن تقر عينيها يرؤيته قبل نهاية المحاضرة . المشكلة أنه لم يبق على حضور الدكتور أوين الا خمس دقائق يا إلهي رحمتك ... لم تزل تتذكر ذلك الحوار بينه وبين الدكتور أوين حين أخبره أنه سوف يحرم في هذا الفصل . لم تكن وحدها التي قد بدأ القلق يتسلل الى قلبها فقد وقف عبد القادر وأخذ يلتفت يمنة ويسرة بحثا عن خالد ثم سأل كارولينا
عبد القادر : كارولينا وين خالد ؟؟
كارولينا : والله ما أدري ، أنا البارح كلمته في الليل وكان طيب مافيه شي حتى انه قالي أشوفك بكره في الجامعة .
عبد القادر : الله يستر .
أخذ الوقت يمضي بسرعة على عبد القادر الشاب الشهم الذي بذل الغالي والنفيس في مساعدة صديقه خالد .
نهض عبد القادر بسرعة متوجها الى مكتب الدكتور أوين محاولا تأخيره قدر الإمكان وهمس في أذن كارولينا : اتصلي على جوالي اذا جاء خالد .
دلف عبد القادر الى مكتب الدكتور أوين وبدأ يسأله عن عدة أسئلة حول المنهج والدكتور يجيب لكن لم يرد اتصال كارولينا بعد ، يا إلهي المشكلة أن الدكتور قد بدأ فعلا بحزم كتبه والمشي الى قاعة المحاضرة ويجيب على عبد القادر وهو يمشي الى القاعة . كان يجب على عبد القادر أن يوجد شيئا يوقف به الدكتور أوين فكل ما يسأله عبد القادر يجيبه الدكتور باجابة مختصرة وهو يمشي الى القاعة ... جن جنون عبد القادر فكل ما يحاول أن بفعله لتأخير الدكتور أوين قد فشل هنا قطع عبد القادر كلام الدكتور وقال بصوت عالي أقرب ما يكون الى الصراخ : أنا أعتقد أن إحراق هتلر لليهود كذبة اختلقتوها علشان تغطون جرائمكم في فلسطين . جن جنون الدكتور أوين فتوقف عن المشي والتفت الى عبد القادر وبدأ يتكلم بعصبية شديدة ويصرخ في وجه عبد القادر الذي كان ملحا في رأيه بل بدأ بالحديث عن تامر الحكومة الأمريكية مع اليهود . أحمرً وجه الدكتور أوين وانتفخت أوداجه وبدأ يتكلم في هيستيرية ويسب ويشتم في عبد القادر الذي رسم على وجهه ابتسامة الرضا وكيف لا يبتسم وقد استمع للتو رنة الهاتف الدافئة التي طال انتظارها ...
دلف عبد القادر الى القاعة ورمق خالد بنظرة ثم رفع عينيه الى السماء وحمد الله عز وجل . مما لا شك فيه أن عبد القادر قد قام بأغبى وأشرف وأسمى عمل في حياته ... اذ أن خصاما مع الدكتور أوين يعني الرسوب في هذه المادة لكن عبد القادر طالب متفوق وقد حصل على الدرجة الكاملة الامتحان الأول مما يجعل النجاح ممكنا له دون العودة الى الدكتور أوين اذا كتب البحث الإضافي الذي يقيمة دكتور اخر ، نعم سيكتبه من أجل صديق عمره خالد . يعد المحاضرة صرخت كارولينا بصوت عالي مما لفت انتباه ماري : وين كنت يا خالد ؟؟ ماراح تصدق كيف انخظينا عليك اوووه ، خصوصا أنا .
خالد : أخرتني شغلة بسيطة .. اسف حبيبتي أوعدك ماراح أخضك ثانية .
راحت كلمة " حبيبتي " تدوي في أذن ماري التي دارت دمعة كادت أن تسقط من عينيها ... نعم لقد خرج الموضوع عن السيطرة ...
شرحت كارولينا لخالد ما فعله عبد القادر الذي كان يحاول خجلا أن يغير دفة الحديث الى موضوع اخر .
6)
في الصباح التالي وبعد انتهاء المحاضرة الأخيرة المحاضرة التي دهشت فيها ماري إذ لم تستدعَ فيها مع الذين لم يسددوا قسط الجامعة . استدعت الموظفة المسئولة خالد لمكالمة هاتفية . اجاب خالد على الهاتف وكان يحاول في الاستفسار عن الموضوع اذ أن المتكلم كان يحاول تمهيد الأمر لكن خالد بعصبية يسأله : وش فيه وش صار ؟؟ يا أخي جاوبني ... وليته لم يفعل .. وقع الخبر كالصاعقة على خالد الذي بهت ولم يستطع الكلام ثم بدء يهلوس يكلمات ممزوجة بالبكاء : لالا ، مو هو ، ممم هو انت غلطان غلطان .. أكيد غلطان ، فقد خالد السيطرة على رعشة يديه حتى سقطت سماعة الهاتف من يده وراح يبكي في جنون وهو يركض خارجا من الجامعة وهو يردد : لالا ، غلطان أكيد غلطان ، لالا ما مات هو مامات انتم ما تعرفون ... وأطلق رجليه للريح . في الخارج لمحت ماري خالد يدخل زقاقا بسرعة وقد بدا عليه الاضطراب واختفت خلف سيارة وراحت ترمق خالد في خوف. وكيف لا تخاف ، لقد رأت خالد يبكي ويصرخ في جنون لالا ما مات ما مات أكيد أكيييد . وانهار يبكي بكاءا شديدا في حالة لم يسبق لها أن رأت أحدا يبكي بها . راحت ماري تبكي مع خالد الذي بدأ يركل الجدار وصندوق القمامة وهو يصرخ لالا .. أصاب خالد الجنون حتى أنه وجهه قد تحول الى اللون الأزرق وأصبح يهز يديه في اضراب شديد وكأنه لا يدري ما يفعل من هول الموقف ثم يعول الى ركل صندوق القمامة .. في هذه الاثناء كانت كارولينا تنادي خالد بصوت عالي في الخارج اذ ارتابت من اختفائه الغريب .. لما سمع خالد صوت كارولينا حاول تهدئة نفسة وأخرج هاتفه الخلوي وتظاهر بأنه يرد على مكالمة وغطى وجهه بإنزال خصلات شعره عليه ومر بجوار كارولينا التي دخلت الزقاق للتو وأشار لها بيده إشارة تعني أنه مشغول بالهاتف سوف يحادثها لاحقا .. وهرب مسرعا على قدميه نحو المنزل ونشيج بكائه يسمعه كل المشاة . ذهلت ماري مما رأت وتملكتها الرهبة ، الرهبة التي أنستها أن تتساءل لماذا ذهب خالد الى منزله على الاقدام . لم تستطع قدمي ماري من أن التحمل أكثر فسقطت على الأرض وراحت تبكي بحرقة .. لأول مرة في حياتها تبكي على شيء لا تعلم كنهه .. لكن ما رأته من خالد كان لا يصدق .. انقطعت أخبار خالد حتى عن كارولينا أقرب الناس إليه في تلك الفترة ، وبعد يومين اتصل خالد بعبد القادر وكارولينا وأخبرهما الخبر وأنه سوف يذهب الى الرياض في مكالمة قصيرة لم تتجاوز بضع ثواني ..
في الصباح التالي بدت عينا كارولينا حمراء منتفخة من البكاء مما زاد من قلق ماري وجيمس .
كانت كارولينا تحمل حقد العالم كله على ماري وجيمس وترمقهم بنظرات حقد وغضب . مما جعل جيمس يسألها في تردد : كارولينا خالد فيه شيء؟؟
أجابت كارولينا وهي تبكي : هاه ، لا مافيه شي أبد سلامتك .. بس الإرهابي النذل زي ما تسمونه توفى قريبه في تفجير إرهابي في الرياض ... هاه هذا الارهابي ولا أنا غلطانه ... ارهابي يموت قريبه في تفجير ارهابي .. أنا بديت أشك من منكم الارهابي . تقولها كارولينا وهي تشد على كلماتها .. تدافع البكاء . ردت ماري في اعتراض وبصوت ضعيف : بس اللي أنا أعرفه ان خالد ماله أقارب في الرياض . ردت كارولينا : هو قال لي كذا يعني يكذب ؟؟
ماري : لا مو قصدي بس انا قلت لك اللي أعرفه انه ماله أقارب في الرياض ..
كارولينا : عاد هو دق علي وقال لي حتى كان مو قادر يتكلم من البكاء صوته يكتم قال لي كذا قال ان قريبه محمد توفى في تفجير الحمرا وانه رايح للرياض .
ذهلت كارولينا حين رأت تعابير وجهي ماري وجيمس الذين وقع عليهما الخبر كالصاعقة لم ينطقوا بل ذرفت عين جيمس أما ماري دارت وجهها بيديها وخرت في بكاء شديد لأنها الان فقط فهمت سر بكاء خالد في الزقاق يومها . دهشت كارولينا لم تدر ماذا قالت ليجعلهم يبكون هكذا
ثم ... لما عبد القادر في ركن القاعة يبكي في حرقة منذ بداية هذا اليوم ؟؟
7)
مضى أسبوع على خالد في الرياض في وضع لا يرثى له ، وكيف لا وقد فقد أعز صديق الى قلبه محمد . محمد الذي لطالما لعبا ما في الصغر ، لا يزال خالد يتذكر أيام الماضي أيام لعبهم في الشارع يوم أن اصتدمت سيارة بمحمد وحمله الى المستشفى بسيارة أجره . لا يزال يتذكر وقفة محمد معه يوم وفات عائلته ، بوم بقي معه في البيت مدة شهر لا هدف له في هذه الدنيا الا أن يخفف عن خالد . يوم كان وقتها كالمجنون تارة يضحك ويرقص وتارة ينصح خالد بالصبر وتارة يسحبه خارج المنزل ، لقد فعل كل شيء يومها للتخفيف عنه وقد حصل . المشكلة أن خالد لم يرتح من آلامه يومها الا بوجود محمد . فمن يخفف عنه الان وقد كبت الحزن على صدره بل لقد بدأ يستعيد ذكريات عائلته والحادث المرير . عاد خالد الى أمريكا ، الى عبد القادر ، الى كارولينا بحثا عن بصيص أمل عن آخر من بقي له في هذه الدنيا . الحقيقة أن خالد أصبح لا يستطيع العيش بدون أصدقائه فما يصيبه من حوادث أفقدته الشعور بالدنيا حتى أنه لم يعد يبتسم أو يضحك بل لم يعد يتكلم مطلقا .. الا من كلمات هي أقرب الى همسات لإنجاز ما يحتاج من أعمال ضرورية .
في أمريكا وقف الشباب مع خالد وقفة لن ينساها أبدا . عبد القادر الذي كان يفعل كل ما قد يأتي في بالك من أفعال قد تدخل السرور الى قلب خالد . أما كارولينا تلك الفتاة الطيبة التي بطبعها تعشق خدمة الاخرين ، وكأنها نذرت حياتها لذلك ، تعشق الدخول الى حيات الاخرين والتخفيف عنهم . فقد لعبت الدور المميز في هذه المرحلة حاصلة على مرتبة الشرف . كانت كارولينا تملأ حيات خالد بكل ماتعني الكلمة من معنى . لا تفارقه أبدا .. وفي الجامعة كانت تحرص دائما على التكلم معه بصوت علي واذا قال لها طرفة تضحك بأعلى صوت محاولة كسر الحاجز الذي بين خالد والطلاب تقريب المسافات و سحب خالد الى وسط الطلاب . حتى أنها احيانا تدخل القاعة هاتفة : خالد ماراح تصدق وش صار البارح ....
الا أنه هذه التصرفات زادت من الام ماري ... كان من الواضح ما تكنه كارولينا لخالد من مشاعر منذ اليوم الأول لها في هذه الكلية لكن المشكلة الآن أنها بدأت تشعر بمشاعر خالد تجاه كارولينا ، فما يمر به من مصائب .. وما تفعله كارولينا .. هزت رأسها محاولة طرد هذه الفكرة البغيضة عنه .
8)
كان جيمس جالسا في بيت ماما شاتي شارد الذهن غارقا في التفكير عما قد آل اليه حال خالد هو لا يزال يتذكر الأيام الرائعة التي قضوها معا : وش ذنب خالد نسوي فيه كذا ؟ احس اننا ظلمناه كل اللي صار له ووفاة محمد الي قصمت ظهورنا جميعا ليس ظهر خالد وحده كلنا يعرف علاقة خالد يمحمد .. ... ايش ما ظلمناه ؟ يعني لأنه مسلم عربي طيب أنا هل أحاسب على حروب أمريكا ؟ يمكن يكون هو مو راضي باللي يصير ؟ أكيد مو راضي هذا خالد وأنا أعرفه زين .. بعدين كل هذا لو كان التفجير أمر من الشريعة الإسلامية .... ليه ما يكون معصية ؟ ليه مايكونون هذولي متطرفين ؟ أنا ماراح أنسى اللي كتبناه في البحث .. حنا أقرينا في البحث كون الاسلام دين السلام ودين حفظ الأرواح ..واذكر انه وقتها اعطاني أدلة من كتابهم المقدس .. يا الله يارب .. من جد ظلمنا خالد. وذرفت عيناه حزنا على محمد .
قطعت ماري حبل أفكار جيمس بندائها له ليساعدها في حمل ماما شاتي الي الحمام ...
اشتاط جيمس غضبا عندما رأى خالد يدخل عليهم وفي وجهه كدمة قد حاول مداراتها بانزال شعره على وجهه والنظر الى أسفل ، نعم هو يعرف انها بفعل فاعل وانها بسبب التفجير فقد كان في ذلك الوقت تيار متفشي بقوة لدى بعض الشباب الغاضب وهو أن يقوموا بضرب الشباب العربي ان واجهوهم في الشارع كنوع من الانتقام . عندها قرر جيمس أن يضع لهذه المشكلة حدا نعم لا بد أن يضع حدا لكل هذا ... توجه جيمس الى منزل خالد وطرق الباب لكن لم يرد عليه أحد فتوجه الى البواب وسأله فأجابة البواب أن خالد أنتقل من الشقة هروبا من مضايقات بعض الجيران وطلب منه ان يخبر خالد ان وجده أن لديه بعض الأغراض التي تخصه . شكره جيمس والحرقة تملأ قلبه فهو يلوم نفسه على كل هذا أليس هو صديقي ؟؟ ألم يجب أن أذب عنه وقتها ؟؟ تخليت عنه في وقت هو في أمس الحاجة الي . ذهب جيمس الى ماري وهو في حالة يرثى لها وأصطحبها للعشاء وعندما مر بالمطعم الي يعمل به خالد توقف وقال لها : انا بروح أتكلم مع خالد لازم أحط حد للي يصير حنا غلطنا في حقه وراح أعتذر له أنا ماني قادر أعيش حياتي ، حياتي تحولت لجحيم من لازم أحط حد لهالموضوع . ارتعشت ماري خوفا فهي ترغب بذلك أكثر منه لكنها لم تكن مستعدة ماذا ستقول لخالد كيف ستعتذر له ، هي لا تملك الجرأة على النقط بكلمة واحدة ، وهي أيضا مؤمنة بأن اعتذارها يجب أن يكون مختلفا نظرا لمكانتها السابقة عند خالد .. يا إلهي أي شيء يمحي ماقالته ؟؟ واذا اعتذرت له هل سيقبل عذرها ؟ هل ستعود الى مكانتها السابقة في قلبه . كانت تحاول ألا تفكر في هذه المشكلة المتشعبة الا أن جيمس سحبها من يدها وتوجه الى المطعم . في المطعم راح جيمس ينقل نظراته هنا وهناك باحثا عن خالد ، لكن لم يجده توجه جيمس الى صاحب المحل
جيمس : هاي ، أخوي أنا كنت حاب أسأل عن موظف عندكم هنا أسمه خالد ؟
صاحب المحل : للأسف ، ما أعرف أحد بهالإسم ...
جيمس : الا أنا متأكد هو كان موظف هنا في تقديم الطلبات
صاحب المحل : أنا أملك المحل من خمس سنوات وأول مره أسمع بهالإسم ..
جيمس : عزيزي أنا متأكد واحد شباب مسلم عربي نحيف شعره طويل أسود ...
صاحب المحل : انت غلطان أخوي ، حنا في تاريخنا كمحل ما سبق اننا وضفنا ارهابيين وش تبغى الناس تقول علينا خونة ؟؟
لم يرد جيمس بل توجه الى الخارج بسرعة لحقت به ماري ولمحت دمعة تسقط من عينه حاول أن يداريها فلم يستطع .. جيمس : أنا رايح لعبد القادر لازم اني أعرف خالد وين ؟؟ يقولها وهو يصرخ
ذهب جيمس الى عبد القادر وسأله عن مكان خالد موضحا له ماينوي فعله فأخبره عبد القادر بالمكان وهو يرقص طربا لهذا الخبر ثم أردف قائلا : تصدق يا جيمس ان وضع خالد ما يحسد عليه قبل يومين أنا اللي أنقذته من شباب بغوا يقتلونه بس ربك ستر ضربت اللي معاه المسدس على أيده واخذت المسدس فخاف وهرب ، يمكن أنت لاحظت الكدمة اللي في وجهه . ذرفت عين جيمس والحقيقة أن جيمس مزيج غريب فمن يراه قد يعتقد أنه طيب ومرح لكن يستحيل أن يتهمه بالرقة والحساسية لكــــنه على النقيض من ذلك .. شخص رقيق حساس لا يجيد التعبير عن مشاعره . ذهب جيمس منزل خالد الجديد وفي الطريق شاهد مالم يكن في الحسبان ...
ثلاثة شبان قد اجتمعوا على شاب يضربونه ويركلونه وهو ملقى على الأرض لم يصدق جيمس عيناه يا إلهي انه خالد اتجه جيمس راكضا اليهم ووجه للأول ضربة قوية على رأسه من الخلف أفقدته توازنه وسقط على الأرض ثم التفت الى الثاني ولكمة على وجهه ثم رفعه الى أعلى الا أن الثالث قد بدأ يضربه على ظهره فوجه له خالد رفسة بين رجليه جعلته يصرخ متأوها , ساعد جيمس خالد على النهوض وأخذه بالأحضان وقال له : سامحني يا خالد سامحني يا صديقي انا غلطت بحقت وأنا اسف أنا أذيتك وتخليت عنك في أشد الأوقات خالد أنا ... وذرفت عينيه مرة أخرى ، ربت خالد على ظهره وهو يبكي من الفرح : جيمس وش دعوة أنت ما سويت شي افا امسح دموعك الرجال ما يبكون ، ما صار شي يا رجال ما صار شي .
جيمس : طيب ممكن أعرف ليه انت مو رجال ؟! . قالها وهو يضحك
فضحك خالد ومسح دموعه وربت على كتفه وعانقه مرة أخرى .
توجه جيمس مع خالد الى المنزل فلدى جيمس الكثير ليقوله .
9)
كانت عودة الصداقة بين خالد وجيمس فأل خير على خالد . فبدأ الطلاب شيئا فشيئا يتقربون منه منهم من يعتذر منه ومنهم من يسأله خجلا عن جدول دراسي أو كتاب معين قاصدا بذلك التلميح الى خالد بأننا لازلنا أصدقاء . لكن لم يعد خالد هو خالد السابق بقيت نظرة حزن في عينية اذ إذ أن أعز الناس الى قلبه لم تعد بعد . وبمضي عدة أيام أصبح الكل صديقا لخالد ما عدا ماري . ماري التي استشعرت صعوبة الاعتذار من خالد . بقدر ما تملك من إيمان بأنها يجب أن يكون اعتذارها مميزا عن جميع الطلاب بقدر ما تؤمن أن المشكلة كلما طال الزمن عليها كبرت . يا إلهي بحق لقد تضخمت المشكلة .. ولا تملك الجرأة للإعتذار . أصبحت ماري الوحيدة في القاعة التي لم تعد الى خالد . يا إلهي بعد أن كانت أقرب الناس اليه أصبحت الآن بفضل غبائها المطبق أبعد الناس عنه . إثقلت ماري الهموم وكأنها لم تعد تستطيع العيش الا مع خالد . عاشت فترة من الحزن والضيق . اصبح احمرار العين وانتفاخها جزء لا يتجزء من مكياجها اليومي مما زاد من حزن خالد . وبمرور الأيما زادت آلام ماري و لم تستطع تحمل كل هذا فسقطت مغشي عليه في وسط القاعة . هب خالد وبعض الشباب الى مساعدتها ونقلها الى المشفى . مكثت ماري في المشفى عدة أيام وزارها جميع الأصدقاء الى ان حالتها من سيء لأسوء . وذات صباح لفت انتباه ماري باقة من الزهور قد نسقت بشكل جميل وأي زهور انها زهور النرجس ، زهرتها المفضلة . سحبت ماري الباقة اليها وفتحت الكارت المرفق فقرأت " لو لم تكن عينيك مميزتين ... لما تسلل الاحمرار اليهما " ابتسمت ماري لأول مرة منذ أشهر وراحت تبكي وهي مبتسمة شعور غريب تسلل الى قلبها لم تكن تعلم من المرسل لكن لديها احساس قوي انه خالد ، نعم خالد هي تعرف طريقته في التفكير .. تعرفه .. ربما لا يكون شاعرا أو كاتبا للخواطر ، لكن له طريقة مميزة في التعبير وهي تشتم رائحتها الان ، ثم انها تعرف قدر قدر افتتان خالد بعينيها لكم ردد لها ، اذا كان نيوتن صادقا فلقيس لي جاذبية عينيك ، وهنا فقط تنبهت ماري ... كيف اختبرت اختبار الاقتصاد وهي لم تسدد ديون الجامعة ؟؟ شعرت برعشة و طلبت الممرض المسؤلة
ماري : جا أحد اليوم يزورني وأنا نايمه
الممرضة : ما أعتقد ..
ماري : متأكدة ؟؟
الممرضة : الا ممكن الشاب الغريب اللي يجي يسأل عليك ويمشي .
ماري : كيف ؟؟ يسأل علي .؟
الممرضة باستغراب : كل يوم يسأل عن صحتك و اذا كنتي صاحية أو نايمة أقول له صاحية ويمشي ما يدخل ..
بيدين قد أصبتها الرعشة وحركات مضطربة اخرجت ماري هاتفها النقال وفتحت صورة لخالد وقال : هذا هو ؟؟
الممرضة : أيه اعتقد بس ترى شعره طويل الحين ...
شكرت ماري الممرضة وهي تبكي في فرح لم تصدق اذنيها يا إلهي خالد كان هنا تملكها الخوف لمجرد التفكير في هذا الأمر ... إلا انها فرحت هذا يعني ان خالد لا يزال يحبها . أنه يغفر لها كل ما فعلت . لم تستطع ماري أن تزيل الابتسامة عن شفتيها طوال اليوم كما أنها لم تنم ماري باكرا يومها لأنها مكثت بالساعات تضع مسحوق التجميل على وجهها وعينيها ثم تمسحه معلنة عدم الرضا عن شكلها وتعيد وضعه من جديد .. فمن يدري ..؟
قد يزورها خالد ..!
اظهرت ماري من الفرحة تحسنا كبيرا في اليوم التالي مما جعل الطبيب يسمح لها بالخروج من المشفى . توجهت مباشرة الى صندوق الجامع كانت تريد التحقق من أمر ما .
في مكتب التسديد ..
ماري : ممكن اعرف اذا علي ديون أو لا ..
الموظفة : عطيني كرتك ... اوومممم دقيقة يا ماري .... لا جميع أقساطك مسددة .
ماري : كيف بس أنا ما سددتها .. مين سددها
الموظفة : والله ماعندي علم
ماري : أنا أبغى أعرف مين سددها أنا ما سددت شيء .
الموظفة : للأسف يا أخت ماري أنا ما عندي علم
ماري وهي تصرخ : كيف ماعندك علم ؟؟ يعني أي شخص يسدد كذا عادي ؟؟ هذي مهزلة أنا ماراح أسكت عنها
الموظفة : هدي اعصابك اختي أنا ممكن أتأكد من السكيوروتي لأن عندنا كاميرات لو حصل سرقة أو شي بس ممكن ما أحصل الشريط لأن التارخ له مدة ... دقيقة
ذهبت ماري مع الموظفة الى المكتب . بحثت الموظفة في الأدراج بين الأشرطة الى أن وجدت تارخ يوم التسديد وبدأت في البحث التقديم والترجيع بحثا عن الذي سدد في الساعة التاسعة صباحا . وقفت ماري في ارتباك ملحوظ وهي تشبك بين أصابعها هنا هتفت الموظفة.: هذا اللي سدد عنك ..
لم تصدق ماري عينيها لقد رأت خالد يدخل مسرعا مرتديا قبعة حمراء ومطأطئا رأسه .. توجه الى الموظفة وتكلم معها لوهلة ثم قدم لها المال في مغلف وخرج متلفتا ليتأكد من أحدا لم يره ...
ماري وهي مذهولة : اتني متأكدة انه هذا اللي سدد عني ؟؟
الموظفة : هذا هو الوحيد الي سدد يوم الأثنين 19 الساعة تسعة عند كاشير خمسة مافي الا هو
ماري : متى ؟؟
اعادة الموظفة التاريخ على ماري التي ذهلت .. يا إلهي انه يوم محاضرة الدكتور أوين يوم كاد أن يتغيب عنها ويحرم من المادة راحت تبكي وخرجت مسرعة هي لا تدري هل يجب أن يعزيها هذا بأن خالد لا يزال يحبها أم يزيد شعورها بالألم لما فعلت له ... وفي الطريق واجهت جيمس ..
ماري وهي تمسح عينيها : جيمس وين خالد .
جيمس : راح يودع كارولينا في المطار .... ماري وش فيك شكلك متضايقة .؟؟
ماري وهي تضع كفها على انفها : لا مافيني شي ... وش تقول يودع كارولينا ليه هي مسافرة ؟؟
جيمس : ايه اتصل عليها زوجها وقال ان ابوها تعبان ولازم تجي تقعد عندها
ماري وهي مصعوقة : مين زوجها ؟؟!
جيمس : أي زوجها اللي اتصل عليها وقال أن امها تعبانة ولازم تجي تشوفها وتطمن عليها
ماري : اوووه الحمد لله
جيمس : اقولك امها تعبانة تقولين الحمد لله ؟؟
ماري : لا لا مو قصدي .... سلام جيمس
راحت ماري تركض وهي تبكي من الفرح واضعة يدها على فمها .. يا إلهي كارولينا متزوجة !! الحمد لله الحمد لله ... يعني كانت علاقتها مع خالد ... اووووه الحمد لله الحمد لله ..
اوقفت ماري سيارة أجرة وطلبت منه ان يوصلها الى المطار . في ساحة المسافرين راحت ماري تبحث في لهفة عن خالد وفجأة رأته هناك ... لقد كان يلوح بده مودعا لكارولينا بينما مسح بيده الثانية دمعة فرت من سجن عينيه . وما أن توارت كارولينا حتى بكى خالد ، لم تستطع ماري أن تفكر وقتها فهي بحق مضطربة المشاعر خالد يبكي .. كارولينا رحلت .. لكنها متزوجة .. خالد باع سيارته و سدد عنها الأقساط .. زارها في المشفى .. لم يزل يحبها .. لكن ما فعلت به .. ما قالته يوم التفجير .. كيف ستعتذر ؟؟ .. هل سيقبل .. هي مريضة .. لم تعد تتحمل بعده أكثر .. جيمس عاد الى صداقة خالد .. بل كل الأصحاب فعلوا .. لكم تتمنى لو تستطيع النوم مرة أخرى .. أن تعود الأيام الخوالي مرة أخرى .. حفلة نجاحها .. محادثاتها مع خالد .. مشاكلها التي كانت تحكيها لخالد فيخفف عنها .. يا إلهي لكم ترى تلك المشاكل تافهة مقارنة بما تمر به الآن .. هي بحاجة الى الراحة .. الى الحضن الدافي الذي تنام فيه .. الى الكتف الحنون الذي تبكي عليه ..
لم تعِ ما تفعل حين أدركت أنها ترمي بنفسها في حضن خالد وراحت تبكي بشدة لم تلحظ أن بكاءها قد اختلط ببكاء خالد الذي راح يربك ظهرها بحنان لطالما افتقدته ... يا إلهي لكم هي بحاجة الى هذا البكاء ، لم تتفوة ماري ببنت شفة .. لم تستطع ماري النطق بل استمرت في بكاء دام طيلة ثلاث دقائق ثم نطقت ماري بصوت يثخنه البكاء ..
ماري : خالد ... انت تعرف ان لك أربع ابتسامات .. الأولى : لما تضحك من شي يسعدك ، الثانية : لما تنحرج في الجامعة من مدح الدكتور ، الثالثة : لما تساعد الجدة نانسي في البيت ...
صمتت ماري فسأل خالد بصوت بحوح : والأخيرة ؟؟
اجابت ماري وهي تبكي : لما تناظر في عيوني .
لم يحتمل خالد واخذها في حضنه ومسح دمعة كادت أن تفلت من عينية ، ثم وضع يده على رأسها ونظر في عينيها وابتسم قائلا بصوت محشرج : ماري حياتي فاضية الحين نروح لمقهى الغروب ؟
هزت ماري رأسها يالإيجاب بعد تعالى صوت بكائها ...
سار خالد وماري الى مقهي الغروب ... الى المكان الذي لطالما افتقداه بشدة .
تمت بحمد الله
هلا فيكم جميعا ..
" غلطة الأيام "
أتمنى أنها تعجبكم ..
1)
دخل خالد القاعة مسرعا بخطوات بدا على الاضطراب والتخبط متحاشيا النظر في وجه المحاضر الدكتور أوين الذي يتميز بالشدة والسخرية الاذعة لأن لا يرشقه بوابل من الكلمات التي لا يستطيع احتمالها ، وقد كان ... المحاضر " وين كنت يا خالد ؟؟
خالد " يا دك دكتور ااه انا امم كان في زحمة في الطريق وما قدرت أني اجي في الوقت المناسب "
الدكتور " آه ، والمفروض مني اني أنظم لحضرتك الطريق علشان ما تجينا في وقت متأخر ولا تبغاني أنقل المحاضرة في بيتكم حتى ما تتعب سعادتك ؟؟ اوووه نسيت أنك عربي وأن مكانتك فوق أنك انك تحضر مثل باقي الطلاب " يقولها وهو يبتسم بسخرية ويرمقه بنظرة بغيظة
خالد كان يستمع لهذا الكلام وهو مطأطئ الرأس لا ينظر في عين الدكتور .
خالد " لا أحنا مو كذا بس ...
المحاضر " رجاءا . ما أبغى أسمع تبريرات أنت نفسك ما أقتنعت فيها , هذا مو أول تأخر لك صح ؟؟
خالد " لا طال عمرك هذا أول تأخر لي "
المحاضر " هاه .. حتى لو كان أول تأخر لك هذا ما يبرر انك تتأخر ... خالد أبغى أشوفك في مكتبي بعد المحاضرة .. تفضل مكانك "
اتجه خالد الى مكانه وسط رصد من أعين الطلاب وكأنهم يتوقعون إنهياره في أي لحظة ممكنة ، طبعا لم يستوعب خالد كلمة واحدة من المحاضرة فقد كان حانيا رأسه وضعا كفية على وجهه المحمر يسترجع شريط المحادثة البغيظ ويتمنى لو كان يستطيع الرد .
بعد المحاضرة لمح خالد اصدقائه في الساحة ماري وعبد القادر و جيمس وتوجه لهم
خالد " هاي "
الأصدقاء " هاي خالد "
بدا على وجه ماري وهي ترد التحية مزيج من الحياء والرحمة فوجه خالد ممتقع وهي لا تزال تتذكر الموقف الذي حصل لخالد في المحاضرة فهي تعرف خالد وشخصيته الخجولة التي قد يؤذيها نظرة في ذلك الموقف ، ماري هي شابة امريكية الجنسية لطيفة ذات شخصية محببة ، مرحة ، نحيلة ، متوسطة الطول ، خجولة أحيانا من الطراز الذي تحمر وجنتيه عند الخجل وتغوص عينيه في محجريهما حتى لا تكاد تتبين ان لها عينين أصلا بل لا تستطيع التحدث عند خجلها فقط تكتفي بطأطأة الرأس ، ماري الشابة التي أصبح ما تكنه لخالد من حب ومشاعر واضحا جليا لكل طلاب الجامعة فهي لا تستطيع أن تخفي نظرة الإعجاب التي ترمقه بها كلما شاح بنظره عنها ، وهي أقرب الأصدقاء الى خالد ، أما جيمس شاب أمريكي من اصول اوروبية طويل عريض المنكبين ، ضحوك ، حاد النظرة ، وهو صديق مقرب الى خالد يميل غالبا الى النقاشات معه فقد وجد في خالد شخصا مثقفا ، ومحاورا متميزا يجيد لغة الاستماع ، جيمس شاب متعقل يملك عاطقة جياشة يواجه صعوبة في التعبير عنها .
أما عبد القادر الشاب الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية شاب لطيف مرح يتكلم العربية بركاكة ذو قلب طيب يؤثر الصمت غالبا ، ذو قامة ممتلئة ، و وجه طفولي يشعرك بالبرائة ، كما لا أنسى انه متفوق في دراسته ...
بعد صمت طويل من خالد لم تطق ماري صبرا فتساءلت " خالد وش صار معاك عند الدكتور أوين والله كنت قلقانة مره عليك "
خالد " والله مدري ، الله يعين بس "
ماري " ليه "
خالد " راح يرفع فيني خطاب انذار , وأي تأخر ثاني راح يحرمني في المادة "
ماري " اووووه "
جيمس " بس كذا ، ما قالك الا كذا ؟؟ "
خالد " لا طبعا , تكلم عن كوننا مسلمين حشرات واننا نشوف أنفسنا على أننا أفضل الخلق وإننا نازيين لكن بثوب مختلف واننا متحجرين يعني الموال اللي تعودت أسمعه "
أشار عبد القادر بيده إشارة تنبئ عن عدم رضا بالوضع .
جيمس " معليش خالد بس انت وش تتوقع منه ؟؟ هو يهودي وأي جاهل تسأله راح يتكلم لك عن كرهكم لليهود وكره اليهود لكم "
خالد " يا رجال عادي ... شباب جوعانين ؟؟ أنا عازمكم في المطعم الصيني "
جيمس " انت اللي بتدفع ؟؟ اجل يلا مشينا ههههه "
الحقيقة ان خالد كون علاقات متميزة في الجامعة حيث أصبح من الصعب أن تجد طالبا في الجامعة لا يعرف خالد ، خالد الشاب اللطيف ، الوسيم ، الخجول ، الذي يعشق مساعدة الآخرين حتى أصبح من الطبيعي ان تشاهده يقص الزرع للجيران أو يساعد الجدة ناسني التي يقطن بجوارها في تنظيف الأطباق ، كان قد مضى على خالد سنة في الجامعة في أمريكا التي انتقل اليها اثر حادث شنيع أودى بحياة جميع أفراد عائلته المكونة من أب وأم و أختين الكبرى هند في المرحلة الثانوية و الصغرى ريم ( أو دلوعة خالد كما يروق للعائلة ان يطلقوا عليها ) و تبلغ من العمر ثمان سنوات ، يعد هذا الحادث بعد هذه الفاجعة التي ألحقت بخالد أمضى خالد مدة شهرين في حزن مطبق لم يستطع أحد أن يتقرب منه أن يحاول جعله يتكلم أن يعبر عما في نفسة الا محمد ... كانت شهرين من الحزن والبكاء حتى أنه لم يذهب الى بيت الجد حيث العزاء بل بقي في البيت يختلس النظر الى الأركان ويبكي أمضى خالد شهرين من العذاب ، أنتقل محمد للعيش مع خالد في هذه الفتره والحقيقة ان محمدا قد بذل كل جهد ممكن للتخفيف عن خالد فتراه تاره يضحك ويذكر خالد بالأيام الخوالي وتارة يذكره بالله وبالصبر وبأجر الصابرين وخالد يردد " لا إله الا الله " " سبحانة ".
بعد جهد جهيد استطاع محمد أن يخفف من آلام خالد ، بدأ خالد بالابتسامة والضحك أحيانا والخروج من المنزل ، صحيح انه لا يزال يملك تلك النظرة الحزينة التي يشرد بها والتي لطالما أرقت نوم محمد الا أنه اصبح بحال أفضل ولا شك في ذلك ,
لــــكن لم يستطع خالد المكوث في البلد ، ضاقت عليه الأرض وهي رحبة ، اظلمت الدنيا في وجهه ، ضاقت الطرق ، وكأن المدينة تعلن عدم قبولها به كفرد وأنه يتوجب عليه الخروج منها قال مره لمحمد وهو يحاول اقناعه بالمكوث " يا محمد يا عزيزي تكفى افهمني والله ما أقدر اجلس هنا أكثر خلاص كل ما مشيت في شارع أتذكر يوم كنت أجيه أنا وأمي وابوي و اخواتي كل ماريت مطعم تذكرت يوم كننا نتعشى فيه أنا وأهلي حتى أني راح انجن ما صرت قادر اني أتحمل خلاص محمد انا قاعد أعيش في عالم كل زاوية فيه تذكرني فيهم كل مكان كل شارع كل بيت والله ما أقدر أرجوك تكفى يا محمد أفهمني محمد أنا ان صبرت أكثر راح أجن راح أموت محمد أفهمني تكفى " وقد حصل ذلك .... تفهم الصديق الوفي محمد الوضع وسافر خالد الى أمريكا لكن محمد قد مكث في الرياض اذ لم يكن يستطيع ان يذهب للدراسة في الخارج نظرا لظروفه العائلية .
في امريكا واجه خالد العديد من الصعوبات لعل أهمها خجله الشديد الذي زاد المهمة صعوبة عليه لكنه بمضي الوقت قد بدأ بتكوين الصداقات واخيرا بدأ الأمر يتحسن شيئا فشيئا ، طبعا لم تنقطع علاقة خالد مح محمد بل ازدادت قوة حيث أصبح خالد يتصل على محمد هاتفيا كل يوم ناهيك عن الزيارات المتكررة لأمريكا والرياض .
2)
كان الجو باردا والثلج يتهادى هابطا كالقطن عندما كان خالد يمشي أمام منزل ماري التي خرجت متوشحة بالشال الأسود الذي لم يبدي منها الا عينيها
خالد : ماري كيف حال ماما شاتي ؟؟
ماري : لا هي بخير الحين
خالد : أقدر أدخل أطمن عليها
ماري : ما أعتقد لأنها تبغى تنام
خالد : ماتشوف شر ان شاء الله
ماري : خالد ماقلت لي ليه متصل علي ؟
خالد : ليه ؟ انتي ما تبيني أتصل عليك ؟
ماري : هاه ... لا وربي ما أقصد بس يعني توقعت ان فيه سبب معين ...
تجيب وهي محرجة
خالد : طيب ... لا بس ضاق صدري شوي قلت أجي أشوفك ونتمشى بعدين انتي لك يومين سهرانة عند ماما شاتي وقلت يمكن تحبين تغيرين جو ؟؟
ماري : أي والله انك صادق والله اني تعبت ... نمشي ؟؟
وهكذا سارا متجهين الى مقهي غروب الشمس ، مكان مقهى ماري المفضل ، حيث اعتادا أن يقضيا اليالي معا
خالد : ماري تعالي من هنا
ماري : طيب بس ترى المقهي من الجهة الثانية
خالد : أي انا عارف بس البارح كنت انا وصديقي سهرانين ونسيت بوكي في بيته أبمر اخذه
ماري : أوكي خالد
خالد : هذا البيت . ....
دلف خالد الى المنزل والأنورا مغلقة ثم صاح بماري : ماري تعالي شوي ابغاك .
ماري : هاه , نعم... أوكي أوكي أنا جاية
دخلت ماري الى المنزل والظلام دامس حتى انها لا تكاد ترى يدها ، الحقيقة ان ماري قد تسلل الخوف الى قلبها اثر سماعها لصوت خشخشة لم تعرف سببه .. صاح بها خالد : ماري ولعي النور حبيبتي
ماري : وين النور ؟؟
خالد : شوفيه بالزاوية هناك جمب الطاولة
فتحت ماري النور فــــصرخت في ذهول فلم تكن تتوقع ما رأته .... رأت احتفالا كبيرا وعدد من ( التورتات ) والشرئط المزينة على الجدران وكاتبات على الجدران لم تفهم كنهها " ألف مبروك ماري " , وشاهدة جميع أصدقائها في الجامعة قد اجتمعوا جيمس و عبد القادر ومايكل وسومي وناعومي وجمع الأصدقاء وسط ذهول قد أرتسم على قسمات ماري نطق خالد موضحا
خالد : حنا مرينا الدكتور اليوم وأخذنا منه درجتك في التاريخ وابشرك ...... نجحتي ..
تشنجت ماري من هول الموقف لولهة ثم صرخت : لا مو معقول وااااااااااااااااااااااااو يارب نجحت ؟؟ أكيد ماني مصدقة اووووه "
تهز يديها في ارتباك وقد أصابتها رعشة في قدميها ...
جيمس " الا صدقي اليوم الدكتور عطانا نتيجتك ... خوفتينا وخوفتي نفسك .... خالد كتب البحث وأنا رحت أتوسط عند الدكتور وبالأخير ناجحة بجيد ؟؟
وهكذا أحتفل الأصدقاء بنجاح ماري التي بدا عليها الفرحة الشديدة حتى انها اصبحت تتصرف بتصرفات غريبة وتضحك بهستيرية .
ظل الأصدقاء الأربعة مع بعضهم البعض وازدادت علاقتهم ببعض وبالعضو الخامس في الرياض " محمد " حتى أنهم أصبحوا أقرب من الاخوة فكل واحد منهم ينظر للآخر كأخ له وليس كصديق ، وازدادت علاقة خالد بماري اكثر فأكثر حيث كانوا يقضون كل ليلة مع بعضهم البعض حتى في أداء الفروض والبحوث الدراسية الى أن يودعها خالد متمنيا لها ليلة سعيدة ، ذات ليلة قال لها خالد : حياتي تعرفين ان لك خمس ابتسامات ؟؟
ماري : خمس ابتسامات ؟
خالد : ايه خمس ، واحدة لما تسمعين نكته او شي يضحك وتضحكين عليه والثانية لما تبتسمين مجاملة لأحد والثالثة : لما تكوني متضايقة وما ودك تحسسين الموجودين والرابعة : لما تشوفي فلم وتتخيلي نفسك مكان البطلة وتبدين تتبسمين ووجهك أحمر، والخامسة : اذا لبستي فستانك الوردي وخصوصا اذا كنتي في مقهى غروب الشمس ...
كانت ماري تعرف خالد جيدا وتحرتم كونه مسلما لذلك فلم تتعدى العلاقة بينهما حدود الشريعة الاسلامية مما قد زادها شوقا وحبا له ودفعها لأن تسلم و تتزوج منه وتتخطى هذه الحدود التي فرضها الدين الاسلامي اذ لم تعد تطيق البقاء بعيد عنه حتى أنها قالت له ذات مرة : خالد تصدق وربي لما أغمض أشتاق لك
وفعلا بدا يخططان للزواج ...
3)
استيقظ خالد صباح ذلك اليوم متعبا وغسل وجهه وخرج و في الطريق لاحظ شيء غريب الكل في الطرقات يتكلم ويصرخ ويقول الغزو الحرب... الأم تلتقط ابنها وتركض به بعيدا وفتيات صغار يبكين على الرصيف موقف مهول ومما يزيد الموقف شده أن خالد لم يستطع أن يتبين سبب ذلك فالناس متخبطين في اقوالهم هذا يقول الغزو اليهودي وهذا يقول انها اليابان وذك يقول روسيا لكنهم أجمعوا على الطائرات ... لم يفهم خالد كنه الموضوع لكنه واصل المشي الى أن وجد تلفازا للعرض في محل والناس متجميعين يشاهدون الأخبار وهنا سمع خالد الصاعقة مباشرة من فم المذيعة " أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش ان المتسبب في تفجير برجي التجاره في نيويوك اليوم هو أسامة بن لادن زعيم حركة طالبان وأن عدد القتلى في البرجين قد يتجاوز ال...."
هنا أغلق خالد اذنية وخر جالسا ثم وضع يديه على وجهه وصمت لبرهة متأملا ، لم يعلم وقتها ما خطورة الموقف لكنه شعر بقلق شديد لم يعلم كنهه ظل يفكر لبرهه لماذا ؟؟ لماذا قد يفعل أسامة بن لادن هذا مالمصلحة المرجوه من قتل الأبرياء بل ليست مالمصلحة المرجوة انما هو فعل محرم شرعا فقتل الأبرياء ذنب عظيم .. هز خالد رأسه محاولا عدم التفكير في قتلى هذا التفجير فهو يجده مجرد التفكير فيها مريع .. تحامل خالد على نفسة وتوجه عائدا الى المنزل جارا قدميه في أنهاك مفاجئ ثم الى الفراش مباشرة محاولا أن يتناسى ما حدث .
في اليوم التالي ذهب الى الجامعة وهناك لاحظ التوتر الشديد فالكل يصرخ ويتكلم ويناقش بحق اختلط الحابل بالنابل توجه الى رفاقة الذين لمحهم في وسط القاعة وفي طريقه اليهم لاحظ ان عيني ماري حمراء كما لو كانت قد بكت لفترة طويلة ووجها محمر وقد اصابتها رعشة هستيرية .... وصل اليهم خالد
خالد : هاي شباب سمعتوا اللي حصل ؟
صرخت ماري في وجهه باكية ..
ماري : اللي حصل ؟؟ تقصد اللي سويتوه هاه ؟؟ سمعنا باللي حصل ؟؟ تبي أعلمك ايش اللي حصل هاه اللي حصل انك فجرتوا في بلدنا اللي حصل انكم عضيتوا اليد اللي اتمدت لكم يا كلاب ؟؟ اللي حصل ان مئات الاف تقتلونها بكل قسوة ووحشة ؟؟ هاه هذا اللي حصل ؟؟ هذا اللي يأمركم فيه دينكم الصحيح يا ارهابي ؟؟ دين السماحة ؟؟ الا دين قتل الأبرياء دين يأمر بدفن مئات الآف أحياء ... صدق دكتور أوين كلكم كذا كلاب بشعة تنهش اليد اللي اتمدت لكم "
وخرت في صياح مستمر
هنا صعق خالد واضطربت جميع الأجهزة الحسية لدية لم يستطع التكلم من هول الموقف بل لم يستطع الحراك ... لم يصدق اذنية من يقول له هذا ماري ؟؟ ماري تصرخ في وجهه يا كلاب يا ارهابيون لم يستطع حتى التفكير وقتها وكأكنه ينتظر البشير الذي سوف يوقظه من النوم لكن للأسف لم يأتي ، تدلى فكه السفلي قليلا لكن لم يستطع التعبير أو حتى التمتمة ثم التفت الى جيمس وكأنه ينتظر منه تفسيرا أو حتى اعتذارا لما قالته ماري وأي تفسير قد يفسرهذا الكلام ... هنا فقط نطق جيمس
جيمس : كلكم واحد كلكم ارهابيين تكرهوننا اصلا هذي اشياء انتم تشربتوها من دينكم ايه من دينك اللي كل يوم تعتذر من المحاضرة علشان تصلي هاه ؟؟ علشان تجدد الكره والبغض لليد الي اتمدت لك وانا اللي كنت أعتقد انك غير ... أول مره في حياتي اخطي في تقييم رجل .. اسف على ثقتي فيك .
التفت خالد دون ان ينبس ببنت شفة وخرج من القاعة مصعوقا مذهولا مما قد سمعه حتى أنه لم يحاول أن يداري دمعة قد فرت من محجر عينيه ... اهؤلاء هم أصحابه اهذا هو جيمس ؟؟ أم هذه هي ماري ؟؟ ماري التي أحبها من كل قلبه ماري ؟؟ وسط هذه التساؤلات فوجئ بنفسه أمام باب شقته فتح الباب ودلف فيه متجها مصلاه حيث صلى ركعتين دعا فيهما الله عزو جل وسط بكاء ونشيج أن يكشف هذه الغمة التي لم يرى منها الا البداية ثم رمى بنفسه على الفراش وأخذ يعيد شريط اليوم محاولا فهم ماحدث بالضبط .
4)
بعد بضعة أيام من الحادثة توجه خالد الى الجامعة على تخوف من لقائة مع ماري وجيمس وباقي الطلاب كيف يقابلهم وهم يرونه الإرهابي المتشدد العاشق للدماء الحاقد الخائن للبلد الذي الذي قدم له كل خير ، وهو في الحقيقة لا يلومهم ولا يلوم ماري على ما قالته نعم فالصاعقة التي حلت بهم تجعلها تقول كل شيء ثم انها لا تعلم عن الاسلام شيئا ولا عن تعاليمه كل ما تعرفه هو ما تلقنهم اياه القنوات الفضائية من أنه دين تشدد وارهاب وهاقد رأت الاجابة الفعلية أمام عينيها ... ثم يتذكر أيامه الجميلة ولحظاته الرائعة التي امتلأت بالحب والعاطفة فيلومها .. كيف تقول له هذا الكلام وهي أقرب الناس إليه ؟؟ ألا تعرفه ؟؟ هل من المعقول بعد كل تلك اليالي وكل هذا الحب أن تكون ماري ترى في خالد الإرهاي النذل ؟؟ أم جيمس ... جيمس الصديق العزيز .. جيمس أول صديق له في الجامعة .. لم ينسى تلك الأيام التي أمضاها معه في الحوارات والضحك والتسلية .. كيف ينساها ؟؟ وبها خرج من ظلمة الحزن و قسوة الملل بلا صديق .. أم كيف ينسى ذلك البحث الذي امضيا في كتابته شهر متواص لينالا الجائز المرتبة الأولى عن البحوث ؟؟ كيف ينساه وقد كان عنوان البحث .. سماحة الأديان السماوية .!!
دلف خالد الى القاعة مطأطئ الرأس لم يحاول أن ينظر في عيني ماري أو جيمس الذين كانا جالسين في وسط الصف ... دون أن يلقي التحية أتجه مباشرة الى الطرف الأبعد عنهما ووضع كتابة وتظاهر بالقراءة من الكتاب وفجأة تذكر أن هذه المحاضرة هي محاضرة الدكتور أوين ... : يا إلهي هذا ما كان ينقصني ... وللأسف حدث ما توقعه خالد فقد أمضى الدكتور أوين المحاضرة بأكملها يتكلم عن الضربة الأمريكية وعن الارهاب وهو يرمق خالد بنظرة ذات مغزى ثم نادى بأسماء الطلاب الذين لم يدفعوا الأقصاد لهذا الفصل وذهل خالد لما رأى ماري تقف مع الذين لم يسددوا الأقصاد لكنه خفض رأسة وتظاهر بعد سماع ذلك لأن لا يجرح مشاعرها ، وأخيرا اختتم الدكتور أوين نشاطه المتميز في الأذية بمناداته عند التحضير بخالد أسامة !!
الحقيقة أن الواقع فاق جميع توقعات خالد اذ لم يتحدث اليه أحد من طلاب الجامعة أبدا حتى المحاضرين الذي كانوا يعشقون خالد لمشاركاته المميز في الصف ، وكأنهم يخشون أن يتهموا بالخيانة عند الحديث معه ؟!
مر هذا اليوم على خالد كأنه شهر اذ لم يتحدث مع أي طالب في الفصل هذا اضافة الى النظرات الي يرمقه بها الطلاب وكأنهم يتهمونه بالخيانة ويجدونه شريكا في قتل أهلهم وذويهم ، على أية حال لم يكن اليوم الذي يليه بأفضل منه فقد ظل خالد على هذه الحالة مدة طويلة لم يكن يتكلم فيها الا الى عبد القادر الذي لازمه في كل وقت وكان يحاول التخفيف عنه ، اذ لم يطق حالة خالد الذي كان يأتي كل يوم بعينين حمراوين متورمتين من البكاء ، عبد القادر الذي لم يواجه مشكلة كبيرة في هذا الجانب اذ كان هو فرنسيا في الأوراق الرسمية أي لا علاقة له بالموضوع ، لازم عبد القادر خالد في كل وقت حتى انه أصبح يتكلم له عن كل ما يشعر به وذات مره اذ سأل عبد القادر خالد عن سبب الحالة التي يراه بها اجابه خالد : والله يا عبد القادر ان كل اللي يحصل من مضايقات في كوم واللي جاني من ماري وجيمس بكون يعني للحين تصدق اني كل يوم وانا نايم أدعي ربي انه يكون حلم مزعج واني لما أجي للجامعة اتفاجأ بجيمس يسلم علي و ماري تضربني على ظهري وتقولي وينك البارح ما جيتني اقول ترى اللي يتغلى يخلى لو هو بالحيل غالي ... زي ما تعودت تقول لي .
خنقت خالد العبرة فانحنى متظاهرا بالتقاط حجر من حذائة ...
في الحقيقة ان عبد القادر كان يبذل قصارى جهده محاولا أخرجا خالد من هذه المحنة حتى انهم أصبحوا يلتقون يوميا في بيت عبد القادر .
في هذه الأيام جائت طالبة جديدة الى المحاضرة تدعى كارولينا يظهر عليها أنها ايطالية هي جميلة من الطراز الذي تقف مذهولا من جماله عند أول لقاء ، متوسطة القامة ، مرحة ، تحب خدمة الاخرين من الطراز الذي يتكلم بكثرة عند الاضطراب ، ذكية وتجيد قراءة الأعين اذ بإمكانها بسهولة أن تكتشف اذا كان هناك شيء قد ضايقك ، تعرف خالد الى كارولينا بعد اعطائه تقسيم منهج المحاضرات لها ، قويت علاقة خالد بكارولينا اذ لا يستطيع خالد أن يمنع هذه العلاقة من أن تقوى فكارولينا من النوع الذي يهتم كثيرا بأصدقائه ويحاول التدخل في حياتهم للمساهمة في حل بعض مشاكلهم ، وقد وجدت في خالد مرتعا خصبا للمشاكل اضافة الى أنها احبته من النظرة الأولى ، كانت كارولينا تدراي على مشاعر خالد من أي كلمة قد تلقى من هنا أو هناك ، دخلت كارولينا حياة خالد من أوسع أبابها ولا أستطيع التبجح والزعم بأنها قد أنسته صدمة ماري لكنها وبكل تأكيد كانت بلسما شافيا وطبيبا مداويا لجراح قد اثخنت خالد .
5)
راحت ماري تحوم في منزلها بقلق شديد وأخذت تقرض أضافرها بنهم وهي عادتها عندما تفكر بعمق . الحقيقة أن ماري لم يغمض لها عين منذ ذلك اليوم الأغبر يوم أن صرخت في وجه خالد . راحت ماري تفكر وتحرك يديها في هيستيرية .. لماذا ؟؟ لماذا فعلتها ... يا إلهي ماذا قلت ... راحت تتذكر أحداث ذلك اليوم وتلك المحادثة حين صرخت في وجه خالد " أيها الكلاب الإرهابيون أيها النذل الخائن" ثم خرت تبكي ، المشكلة أنها لا تعلم لماذا قالت هذا ... بل لم تكن في وعيها يومئذ ... لولا أن جيمس موجود لاعتقدت انها تهذي .. حتى أنها لا تجده مبررا ! كيف يوجه كلام مثل هذا لخالد الذي لطالما عرف عنه الخير والمساهمة في خدمة الآخرين ؟ ومن من ؟ . الحقيقة أن ماري فقدت حياتها بفقد خالد فقدت الحضن الدافئ والكتف العطوف الذي لطالما بكت عليه ، فقدت الشخص الذي لطالما أشعرها بالإهتمام ، فقدت الصوت الحنون الذي يودعها كل مساء متمنيا لها أحلاما سعيدة ، يا إلهي لكم هي بحاجة الى هذا الصوت وهذه الكلمة لكي تستطيع النوم مجددا . بغمضت عين راحت المشاكل تتساقط على ماري من كل صوب : خصامها مع خالد ، أقساط الجامعة التي لا تملكها ولم يبقى على موعد التسديد الا يومين ، و كارولينا وعلاقتها التي أصبحت واضحة مع خالد . بدأت تشعر بأنها ستفقد خالد ... هي بالفعل قد فقدته ... لا هي تعرف خالد وتعرف كم كان يحبها لا لن يتخلى عنها !! لن يتخلى عنها خالد ، ثم تتذكر ماقالته له يوم الحادثة وما تفعله كارولينا الان من مساندة لخالد فتسود الدنيا في وجهها مرة أخرى . هي تعرف كارولينا جيدا كارولينا طيبة لكنها لا تعلم شيء عن علاقتها السابقة بخالد وأنهما كادا أن يتزوجا ، ثم انه يستحق كارولينا نعم خالد طيب ويستحق كل خير ، وكارولينا وقفت معه في أشد الأوقات وهي تحبه أعتقد أن هذا واضح . شعرت ماري بدوار فألقت بجسدها على السرير ثم راحت تفكر . يا إلهي ساعدني ، بدأت تشعر أن الموضوع خارج عن سيطرتها فكيف ستعتذر لخالد كيف ؟ لم تكن تملك القدرة على ذلك .. كيف ستقف وتواجهه بعد كل ماقالته ثم اذا حصل ذلك .. هل ستمتلك القدرة على النطق ؟ هي لا تستطيع التعبير عن مشاعرها اذا كانت محرجة فكيف ستعبر في هذا الموقف اوووه يا إلهي ... ثم لتفترض جدلا أنها استطاعت النطق يومها .. هل سيقبل خالد اعتذارها ؟ نعم هي قد اعتادت على تغاضيه عن أخطائها بل كان يكتفي بالنظر في عينيها لوهلة ثم يقول " تعتقدين راح أقدر أزعل على هذي العيون ؟؟" ، لكن هذه المرة مختلفة ، هي تعلم يقينا أن خالد قد صدم بكلامها .. بكلام من ؟؟ أغلى الناس الى قلبه .. وكيف لا يصدم اذا كانت هي نفسها قد صدمت بما قالته ؟؟ لقد أصبحت بالفعل تكره نفسها . وهكذا أمضت ماري ليلتها في التفكير الممزوج بالبكاء بحرقه .
في اليوم التالي وتحديدا في قاعة محاضرات الدكتور أوين لاحظت ماري أن خالد لم يحضر بعد . وكيف لا تلاحظ ذلك وهي منذ يوم الحادثة قد اعتادت أن تجلس في الخلف لتنظر الى خالد دون أن يلحظ ذلك وكأنها تريد أن تقر عينيها يرؤيته قبل نهاية المحاضرة . المشكلة أنه لم يبق على حضور الدكتور أوين الا خمس دقائق يا إلهي رحمتك ... لم تزل تتذكر ذلك الحوار بينه وبين الدكتور أوين حين أخبره أنه سوف يحرم في هذا الفصل . لم تكن وحدها التي قد بدأ القلق يتسلل الى قلبها فقد وقف عبد القادر وأخذ يلتفت يمنة ويسرة بحثا عن خالد ثم سأل كارولينا
عبد القادر : كارولينا وين خالد ؟؟
كارولينا : والله ما أدري ، أنا البارح كلمته في الليل وكان طيب مافيه شي حتى انه قالي أشوفك بكره في الجامعة .
عبد القادر : الله يستر .
أخذ الوقت يمضي بسرعة على عبد القادر الشاب الشهم الذي بذل الغالي والنفيس في مساعدة صديقه خالد .
نهض عبد القادر بسرعة متوجها الى مكتب الدكتور أوين محاولا تأخيره قدر الإمكان وهمس في أذن كارولينا : اتصلي على جوالي اذا جاء خالد .
دلف عبد القادر الى مكتب الدكتور أوين وبدأ يسأله عن عدة أسئلة حول المنهج والدكتور يجيب لكن لم يرد اتصال كارولينا بعد ، يا إلهي المشكلة أن الدكتور قد بدأ فعلا بحزم كتبه والمشي الى قاعة المحاضرة ويجيب على عبد القادر وهو يمشي الى القاعة . كان يجب على عبد القادر أن يوجد شيئا يوقف به الدكتور أوين فكل ما يسأله عبد القادر يجيبه الدكتور باجابة مختصرة وهو يمشي الى القاعة ... جن جنون عبد القادر فكل ما يحاول أن بفعله لتأخير الدكتور أوين قد فشل هنا قطع عبد القادر كلام الدكتور وقال بصوت عالي أقرب ما يكون الى الصراخ : أنا أعتقد أن إحراق هتلر لليهود كذبة اختلقتوها علشان تغطون جرائمكم في فلسطين . جن جنون الدكتور أوين فتوقف عن المشي والتفت الى عبد القادر وبدأ يتكلم بعصبية شديدة ويصرخ في وجه عبد القادر الذي كان ملحا في رأيه بل بدأ بالحديث عن تامر الحكومة الأمريكية مع اليهود . أحمرً وجه الدكتور أوين وانتفخت أوداجه وبدأ يتكلم في هيستيرية ويسب ويشتم في عبد القادر الذي رسم على وجهه ابتسامة الرضا وكيف لا يبتسم وقد استمع للتو رنة الهاتف الدافئة التي طال انتظارها ...
دلف عبد القادر الى القاعة ورمق خالد بنظرة ثم رفع عينيه الى السماء وحمد الله عز وجل . مما لا شك فيه أن عبد القادر قد قام بأغبى وأشرف وأسمى عمل في حياته ... اذ أن خصاما مع الدكتور أوين يعني الرسوب في هذه المادة لكن عبد القادر طالب متفوق وقد حصل على الدرجة الكاملة الامتحان الأول مما يجعل النجاح ممكنا له دون العودة الى الدكتور أوين اذا كتب البحث الإضافي الذي يقيمة دكتور اخر ، نعم سيكتبه من أجل صديق عمره خالد . يعد المحاضرة صرخت كارولينا بصوت عالي مما لفت انتباه ماري : وين كنت يا خالد ؟؟ ماراح تصدق كيف انخظينا عليك اوووه ، خصوصا أنا .
خالد : أخرتني شغلة بسيطة .. اسف حبيبتي أوعدك ماراح أخضك ثانية .
راحت كلمة " حبيبتي " تدوي في أذن ماري التي دارت دمعة كادت أن تسقط من عينيها ... نعم لقد خرج الموضوع عن السيطرة ...
شرحت كارولينا لخالد ما فعله عبد القادر الذي كان يحاول خجلا أن يغير دفة الحديث الى موضوع اخر .
6)
في الصباح التالي وبعد انتهاء المحاضرة الأخيرة المحاضرة التي دهشت فيها ماري إذ لم تستدعَ فيها مع الذين لم يسددوا قسط الجامعة . استدعت الموظفة المسئولة خالد لمكالمة هاتفية . اجاب خالد على الهاتف وكان يحاول في الاستفسار عن الموضوع اذ أن المتكلم كان يحاول تمهيد الأمر لكن خالد بعصبية يسأله : وش فيه وش صار ؟؟ يا أخي جاوبني ... وليته لم يفعل .. وقع الخبر كالصاعقة على خالد الذي بهت ولم يستطع الكلام ثم بدء يهلوس يكلمات ممزوجة بالبكاء : لالا ، مو هو ، ممم هو انت غلطان غلطان .. أكيد غلطان ، فقد خالد السيطرة على رعشة يديه حتى سقطت سماعة الهاتف من يده وراح يبكي في جنون وهو يركض خارجا من الجامعة وهو يردد : لالا ، غلطان أكيد غلطان ، لالا ما مات هو مامات انتم ما تعرفون ... وأطلق رجليه للريح . في الخارج لمحت ماري خالد يدخل زقاقا بسرعة وقد بدا عليه الاضطراب واختفت خلف سيارة وراحت ترمق خالد في خوف. وكيف لا تخاف ، لقد رأت خالد يبكي ويصرخ في جنون لالا ما مات ما مات أكيد أكيييد . وانهار يبكي بكاءا شديدا في حالة لم يسبق لها أن رأت أحدا يبكي بها . راحت ماري تبكي مع خالد الذي بدأ يركل الجدار وصندوق القمامة وهو يصرخ لالا .. أصاب خالد الجنون حتى أنه وجهه قد تحول الى اللون الأزرق وأصبح يهز يديه في اضراب شديد وكأنه لا يدري ما يفعل من هول الموقف ثم يعول الى ركل صندوق القمامة .. في هذه الاثناء كانت كارولينا تنادي خالد بصوت عالي في الخارج اذ ارتابت من اختفائه الغريب .. لما سمع خالد صوت كارولينا حاول تهدئة نفسة وأخرج هاتفه الخلوي وتظاهر بأنه يرد على مكالمة وغطى وجهه بإنزال خصلات شعره عليه ومر بجوار كارولينا التي دخلت الزقاق للتو وأشار لها بيده إشارة تعني أنه مشغول بالهاتف سوف يحادثها لاحقا .. وهرب مسرعا على قدميه نحو المنزل ونشيج بكائه يسمعه كل المشاة . ذهلت ماري مما رأت وتملكتها الرهبة ، الرهبة التي أنستها أن تتساءل لماذا ذهب خالد الى منزله على الاقدام . لم تستطع قدمي ماري من أن التحمل أكثر فسقطت على الأرض وراحت تبكي بحرقة .. لأول مرة في حياتها تبكي على شيء لا تعلم كنهه .. لكن ما رأته من خالد كان لا يصدق .. انقطعت أخبار خالد حتى عن كارولينا أقرب الناس إليه في تلك الفترة ، وبعد يومين اتصل خالد بعبد القادر وكارولينا وأخبرهما الخبر وأنه سوف يذهب الى الرياض في مكالمة قصيرة لم تتجاوز بضع ثواني ..
في الصباح التالي بدت عينا كارولينا حمراء منتفخة من البكاء مما زاد من قلق ماري وجيمس .
كانت كارولينا تحمل حقد العالم كله على ماري وجيمس وترمقهم بنظرات حقد وغضب . مما جعل جيمس يسألها في تردد : كارولينا خالد فيه شيء؟؟
أجابت كارولينا وهي تبكي : هاه ، لا مافيه شي أبد سلامتك .. بس الإرهابي النذل زي ما تسمونه توفى قريبه في تفجير إرهابي في الرياض ... هاه هذا الارهابي ولا أنا غلطانه ... ارهابي يموت قريبه في تفجير ارهابي .. أنا بديت أشك من منكم الارهابي . تقولها كارولينا وهي تشد على كلماتها .. تدافع البكاء . ردت ماري في اعتراض وبصوت ضعيف : بس اللي أنا أعرفه ان خالد ماله أقارب في الرياض . ردت كارولينا : هو قال لي كذا يعني يكذب ؟؟
ماري : لا مو قصدي بس انا قلت لك اللي أعرفه انه ماله أقارب في الرياض ..
كارولينا : عاد هو دق علي وقال لي حتى كان مو قادر يتكلم من البكاء صوته يكتم قال لي كذا قال ان قريبه محمد توفى في تفجير الحمرا وانه رايح للرياض .
ذهلت كارولينا حين رأت تعابير وجهي ماري وجيمس الذين وقع عليهما الخبر كالصاعقة لم ينطقوا بل ذرفت عين جيمس أما ماري دارت وجهها بيديها وخرت في بكاء شديد لأنها الان فقط فهمت سر بكاء خالد في الزقاق يومها . دهشت كارولينا لم تدر ماذا قالت ليجعلهم يبكون هكذا
ثم ... لما عبد القادر في ركن القاعة يبكي في حرقة منذ بداية هذا اليوم ؟؟
7)
مضى أسبوع على خالد في الرياض في وضع لا يرثى له ، وكيف لا وقد فقد أعز صديق الى قلبه محمد . محمد الذي لطالما لعبا ما في الصغر ، لا يزال خالد يتذكر أيام الماضي أيام لعبهم في الشارع يوم أن اصتدمت سيارة بمحمد وحمله الى المستشفى بسيارة أجره . لا يزال يتذكر وقفة محمد معه يوم وفات عائلته ، بوم بقي معه في البيت مدة شهر لا هدف له في هذه الدنيا الا أن يخفف عن خالد . يوم كان وقتها كالمجنون تارة يضحك ويرقص وتارة ينصح خالد بالصبر وتارة يسحبه خارج المنزل ، لقد فعل كل شيء يومها للتخفيف عنه وقد حصل . المشكلة أن خالد لم يرتح من آلامه يومها الا بوجود محمد . فمن يخفف عنه الان وقد كبت الحزن على صدره بل لقد بدأ يستعيد ذكريات عائلته والحادث المرير . عاد خالد الى أمريكا ، الى عبد القادر ، الى كارولينا بحثا عن بصيص أمل عن آخر من بقي له في هذه الدنيا . الحقيقة أن خالد أصبح لا يستطيع العيش بدون أصدقائه فما يصيبه من حوادث أفقدته الشعور بالدنيا حتى أنه لم يعد يبتسم أو يضحك بل لم يعد يتكلم مطلقا .. الا من كلمات هي أقرب الى همسات لإنجاز ما يحتاج من أعمال ضرورية .
في أمريكا وقف الشباب مع خالد وقفة لن ينساها أبدا . عبد القادر الذي كان يفعل كل ما قد يأتي في بالك من أفعال قد تدخل السرور الى قلب خالد . أما كارولينا تلك الفتاة الطيبة التي بطبعها تعشق خدمة الاخرين ، وكأنها نذرت حياتها لذلك ، تعشق الدخول الى حيات الاخرين والتخفيف عنهم . فقد لعبت الدور المميز في هذه المرحلة حاصلة على مرتبة الشرف . كانت كارولينا تملأ حيات خالد بكل ماتعني الكلمة من معنى . لا تفارقه أبدا .. وفي الجامعة كانت تحرص دائما على التكلم معه بصوت علي واذا قال لها طرفة تضحك بأعلى صوت محاولة كسر الحاجز الذي بين خالد والطلاب تقريب المسافات و سحب خالد الى وسط الطلاب . حتى أنها احيانا تدخل القاعة هاتفة : خالد ماراح تصدق وش صار البارح ....
الا أنه هذه التصرفات زادت من الام ماري ... كان من الواضح ما تكنه كارولينا لخالد من مشاعر منذ اليوم الأول لها في هذه الكلية لكن المشكلة الآن أنها بدأت تشعر بمشاعر خالد تجاه كارولينا ، فما يمر به من مصائب .. وما تفعله كارولينا .. هزت رأسها محاولة طرد هذه الفكرة البغيضة عنه .
8)
كان جيمس جالسا في بيت ماما شاتي شارد الذهن غارقا في التفكير عما قد آل اليه حال خالد هو لا يزال يتذكر الأيام الرائعة التي قضوها معا : وش ذنب خالد نسوي فيه كذا ؟ احس اننا ظلمناه كل اللي صار له ووفاة محمد الي قصمت ظهورنا جميعا ليس ظهر خالد وحده كلنا يعرف علاقة خالد يمحمد .. ... ايش ما ظلمناه ؟ يعني لأنه مسلم عربي طيب أنا هل أحاسب على حروب أمريكا ؟ يمكن يكون هو مو راضي باللي يصير ؟ أكيد مو راضي هذا خالد وأنا أعرفه زين .. بعدين كل هذا لو كان التفجير أمر من الشريعة الإسلامية .... ليه ما يكون معصية ؟ ليه مايكونون هذولي متطرفين ؟ أنا ماراح أنسى اللي كتبناه في البحث .. حنا أقرينا في البحث كون الاسلام دين السلام ودين حفظ الأرواح ..واذكر انه وقتها اعطاني أدلة من كتابهم المقدس .. يا الله يارب .. من جد ظلمنا خالد. وذرفت عيناه حزنا على محمد .
قطعت ماري حبل أفكار جيمس بندائها له ليساعدها في حمل ماما شاتي الي الحمام ...
اشتاط جيمس غضبا عندما رأى خالد يدخل عليهم وفي وجهه كدمة قد حاول مداراتها بانزال شعره على وجهه والنظر الى أسفل ، نعم هو يعرف انها بفعل فاعل وانها بسبب التفجير فقد كان في ذلك الوقت تيار متفشي بقوة لدى بعض الشباب الغاضب وهو أن يقوموا بضرب الشباب العربي ان واجهوهم في الشارع كنوع من الانتقام . عندها قرر جيمس أن يضع لهذه المشكلة حدا نعم لا بد أن يضع حدا لكل هذا ... توجه جيمس الى منزل خالد وطرق الباب لكن لم يرد عليه أحد فتوجه الى البواب وسأله فأجابة البواب أن خالد أنتقل من الشقة هروبا من مضايقات بعض الجيران وطلب منه ان يخبر خالد ان وجده أن لديه بعض الأغراض التي تخصه . شكره جيمس والحرقة تملأ قلبه فهو يلوم نفسه على كل هذا أليس هو صديقي ؟؟ ألم يجب أن أذب عنه وقتها ؟؟ تخليت عنه في وقت هو في أمس الحاجة الي . ذهب جيمس الى ماري وهو في حالة يرثى لها وأصطحبها للعشاء وعندما مر بالمطعم الي يعمل به خالد توقف وقال لها : انا بروح أتكلم مع خالد لازم أحط حد للي يصير حنا غلطنا في حقه وراح أعتذر له أنا ماني قادر أعيش حياتي ، حياتي تحولت لجحيم من لازم أحط حد لهالموضوع . ارتعشت ماري خوفا فهي ترغب بذلك أكثر منه لكنها لم تكن مستعدة ماذا ستقول لخالد كيف ستعتذر له ، هي لا تملك الجرأة على النقط بكلمة واحدة ، وهي أيضا مؤمنة بأن اعتذارها يجب أن يكون مختلفا نظرا لمكانتها السابقة عند خالد .. يا إلهي أي شيء يمحي ماقالته ؟؟ واذا اعتذرت له هل سيقبل عذرها ؟ هل ستعود الى مكانتها السابقة في قلبه . كانت تحاول ألا تفكر في هذه المشكلة المتشعبة الا أن جيمس سحبها من يدها وتوجه الى المطعم . في المطعم راح جيمس ينقل نظراته هنا وهناك باحثا عن خالد ، لكن لم يجده توجه جيمس الى صاحب المحل
جيمس : هاي ، أخوي أنا كنت حاب أسأل عن موظف عندكم هنا أسمه خالد ؟
صاحب المحل : للأسف ، ما أعرف أحد بهالإسم ...
جيمس : الا أنا متأكد هو كان موظف هنا في تقديم الطلبات
صاحب المحل : أنا أملك المحل من خمس سنوات وأول مره أسمع بهالإسم ..
جيمس : عزيزي أنا متأكد واحد شباب مسلم عربي نحيف شعره طويل أسود ...
صاحب المحل : انت غلطان أخوي ، حنا في تاريخنا كمحل ما سبق اننا وضفنا ارهابيين وش تبغى الناس تقول علينا خونة ؟؟
لم يرد جيمس بل توجه الى الخارج بسرعة لحقت به ماري ولمحت دمعة تسقط من عينه حاول أن يداريها فلم يستطع .. جيمس : أنا رايح لعبد القادر لازم اني أعرف خالد وين ؟؟ يقولها وهو يصرخ
ذهب جيمس الى عبد القادر وسأله عن مكان خالد موضحا له ماينوي فعله فأخبره عبد القادر بالمكان وهو يرقص طربا لهذا الخبر ثم أردف قائلا : تصدق يا جيمس ان وضع خالد ما يحسد عليه قبل يومين أنا اللي أنقذته من شباب بغوا يقتلونه بس ربك ستر ضربت اللي معاه المسدس على أيده واخذت المسدس فخاف وهرب ، يمكن أنت لاحظت الكدمة اللي في وجهه . ذرفت عين جيمس والحقيقة أن جيمس مزيج غريب فمن يراه قد يعتقد أنه طيب ومرح لكن يستحيل أن يتهمه بالرقة والحساسية لكــــنه على النقيض من ذلك .. شخص رقيق حساس لا يجيد التعبير عن مشاعره . ذهب جيمس منزل خالد الجديد وفي الطريق شاهد مالم يكن في الحسبان ...
ثلاثة شبان قد اجتمعوا على شاب يضربونه ويركلونه وهو ملقى على الأرض لم يصدق جيمس عيناه يا إلهي انه خالد اتجه جيمس راكضا اليهم ووجه للأول ضربة قوية على رأسه من الخلف أفقدته توازنه وسقط على الأرض ثم التفت الى الثاني ولكمة على وجهه ثم رفعه الى أعلى الا أن الثالث قد بدأ يضربه على ظهره فوجه له خالد رفسة بين رجليه جعلته يصرخ متأوها , ساعد جيمس خالد على النهوض وأخذه بالأحضان وقال له : سامحني يا خالد سامحني يا صديقي انا غلطت بحقت وأنا اسف أنا أذيتك وتخليت عنك في أشد الأوقات خالد أنا ... وذرفت عينيه مرة أخرى ، ربت خالد على ظهره وهو يبكي من الفرح : جيمس وش دعوة أنت ما سويت شي افا امسح دموعك الرجال ما يبكون ، ما صار شي يا رجال ما صار شي .
جيمس : طيب ممكن أعرف ليه انت مو رجال ؟! . قالها وهو يضحك
فضحك خالد ومسح دموعه وربت على كتفه وعانقه مرة أخرى .
توجه جيمس مع خالد الى المنزل فلدى جيمس الكثير ليقوله .
9)
كانت عودة الصداقة بين خالد وجيمس فأل خير على خالد . فبدأ الطلاب شيئا فشيئا يتقربون منه منهم من يعتذر منه ومنهم من يسأله خجلا عن جدول دراسي أو كتاب معين قاصدا بذلك التلميح الى خالد بأننا لازلنا أصدقاء . لكن لم يعد خالد هو خالد السابق بقيت نظرة حزن في عينية اذ إذ أن أعز الناس الى قلبه لم تعد بعد . وبمضي عدة أيام أصبح الكل صديقا لخالد ما عدا ماري . ماري التي استشعرت صعوبة الاعتذار من خالد . بقدر ما تملك من إيمان بأنها يجب أن يكون اعتذارها مميزا عن جميع الطلاب بقدر ما تؤمن أن المشكلة كلما طال الزمن عليها كبرت . يا إلهي بحق لقد تضخمت المشكلة .. ولا تملك الجرأة للإعتذار . أصبحت ماري الوحيدة في القاعة التي لم تعد الى خالد . يا إلهي بعد أن كانت أقرب الناس اليه أصبحت الآن بفضل غبائها المطبق أبعد الناس عنه . إثقلت ماري الهموم وكأنها لم تعد تستطيع العيش الا مع خالد . عاشت فترة من الحزن والضيق . اصبح احمرار العين وانتفاخها جزء لا يتجزء من مكياجها اليومي مما زاد من حزن خالد . وبمرور الأيما زادت آلام ماري و لم تستطع تحمل كل هذا فسقطت مغشي عليه في وسط القاعة . هب خالد وبعض الشباب الى مساعدتها ونقلها الى المشفى . مكثت ماري في المشفى عدة أيام وزارها جميع الأصدقاء الى ان حالتها من سيء لأسوء . وذات صباح لفت انتباه ماري باقة من الزهور قد نسقت بشكل جميل وأي زهور انها زهور النرجس ، زهرتها المفضلة . سحبت ماري الباقة اليها وفتحت الكارت المرفق فقرأت " لو لم تكن عينيك مميزتين ... لما تسلل الاحمرار اليهما " ابتسمت ماري لأول مرة منذ أشهر وراحت تبكي وهي مبتسمة شعور غريب تسلل الى قلبها لم تكن تعلم من المرسل لكن لديها احساس قوي انه خالد ، نعم خالد هي تعرف طريقته في التفكير .. تعرفه .. ربما لا يكون شاعرا أو كاتبا للخواطر ، لكن له طريقة مميزة في التعبير وهي تشتم رائحتها الان ، ثم انها تعرف قدر قدر افتتان خالد بعينيها لكم ردد لها ، اذا كان نيوتن صادقا فلقيس لي جاذبية عينيك ، وهنا فقط تنبهت ماري ... كيف اختبرت اختبار الاقتصاد وهي لم تسدد ديون الجامعة ؟؟ شعرت برعشة و طلبت الممرض المسؤلة
ماري : جا أحد اليوم يزورني وأنا نايمه
الممرضة : ما أعتقد ..
ماري : متأكدة ؟؟
الممرضة : الا ممكن الشاب الغريب اللي يجي يسأل عليك ويمشي .
ماري : كيف ؟؟ يسأل علي .؟
الممرضة باستغراب : كل يوم يسأل عن صحتك و اذا كنتي صاحية أو نايمة أقول له صاحية ويمشي ما يدخل ..
بيدين قد أصبتها الرعشة وحركات مضطربة اخرجت ماري هاتفها النقال وفتحت صورة لخالد وقال : هذا هو ؟؟
الممرضة : أيه اعتقد بس ترى شعره طويل الحين ...
شكرت ماري الممرضة وهي تبكي في فرح لم تصدق اذنيها يا إلهي خالد كان هنا تملكها الخوف لمجرد التفكير في هذا الأمر ... إلا انها فرحت هذا يعني ان خالد لا يزال يحبها . أنه يغفر لها كل ما فعلت . لم تستطع ماري أن تزيل الابتسامة عن شفتيها طوال اليوم كما أنها لم تنم ماري باكرا يومها لأنها مكثت بالساعات تضع مسحوق التجميل على وجهها وعينيها ثم تمسحه معلنة عدم الرضا عن شكلها وتعيد وضعه من جديد .. فمن يدري ..؟
قد يزورها خالد ..!
اظهرت ماري من الفرحة تحسنا كبيرا في اليوم التالي مما جعل الطبيب يسمح لها بالخروج من المشفى . توجهت مباشرة الى صندوق الجامع كانت تريد التحقق من أمر ما .
في مكتب التسديد ..
ماري : ممكن اعرف اذا علي ديون أو لا ..
الموظفة : عطيني كرتك ... اوومممم دقيقة يا ماري .... لا جميع أقساطك مسددة .
ماري : كيف بس أنا ما سددتها .. مين سددها
الموظفة : والله ماعندي علم
ماري : أنا أبغى أعرف مين سددها أنا ما سددت شيء .
الموظفة : للأسف يا أخت ماري أنا ما عندي علم
ماري وهي تصرخ : كيف ماعندك علم ؟؟ يعني أي شخص يسدد كذا عادي ؟؟ هذي مهزلة أنا ماراح أسكت عنها
الموظفة : هدي اعصابك اختي أنا ممكن أتأكد من السكيوروتي لأن عندنا كاميرات لو حصل سرقة أو شي بس ممكن ما أحصل الشريط لأن التارخ له مدة ... دقيقة
ذهبت ماري مع الموظفة الى المكتب . بحثت الموظفة في الأدراج بين الأشرطة الى أن وجدت تارخ يوم التسديد وبدأت في البحث التقديم والترجيع بحثا عن الذي سدد في الساعة التاسعة صباحا . وقفت ماري في ارتباك ملحوظ وهي تشبك بين أصابعها هنا هتفت الموظفة.: هذا اللي سدد عنك ..
لم تصدق ماري عينيها لقد رأت خالد يدخل مسرعا مرتديا قبعة حمراء ومطأطئا رأسه .. توجه الى الموظفة وتكلم معها لوهلة ثم قدم لها المال في مغلف وخرج متلفتا ليتأكد من أحدا لم يره ...
ماري وهي مذهولة : اتني متأكدة انه هذا اللي سدد عني ؟؟
الموظفة : هذا هو الوحيد الي سدد يوم الأثنين 19 الساعة تسعة عند كاشير خمسة مافي الا هو
ماري : متى ؟؟
اعادة الموظفة التاريخ على ماري التي ذهلت .. يا إلهي انه يوم محاضرة الدكتور أوين يوم كاد أن يتغيب عنها ويحرم من المادة راحت تبكي وخرجت مسرعة هي لا تدري هل يجب أن يعزيها هذا بأن خالد لا يزال يحبها أم يزيد شعورها بالألم لما فعلت له ... وفي الطريق واجهت جيمس ..
ماري وهي تمسح عينيها : جيمس وين خالد .
جيمس : راح يودع كارولينا في المطار .... ماري وش فيك شكلك متضايقة .؟؟
ماري وهي تضع كفها على انفها : لا مافيني شي ... وش تقول يودع كارولينا ليه هي مسافرة ؟؟
جيمس : ايه اتصل عليها زوجها وقال ان ابوها تعبان ولازم تجي تقعد عندها
ماري وهي مصعوقة : مين زوجها ؟؟!
جيمس : أي زوجها اللي اتصل عليها وقال أن امها تعبانة ولازم تجي تشوفها وتطمن عليها
ماري : اوووه الحمد لله
جيمس : اقولك امها تعبانة تقولين الحمد لله ؟؟
ماري : لا لا مو قصدي .... سلام جيمس
راحت ماري تركض وهي تبكي من الفرح واضعة يدها على فمها .. يا إلهي كارولينا متزوجة !! الحمد لله الحمد لله ... يعني كانت علاقتها مع خالد ... اووووه الحمد لله الحمد لله ..
اوقفت ماري سيارة أجرة وطلبت منه ان يوصلها الى المطار . في ساحة المسافرين راحت ماري تبحث في لهفة عن خالد وفجأة رأته هناك ... لقد كان يلوح بده مودعا لكارولينا بينما مسح بيده الثانية دمعة فرت من سجن عينيه . وما أن توارت كارولينا حتى بكى خالد ، لم تستطع ماري أن تفكر وقتها فهي بحق مضطربة المشاعر خالد يبكي .. كارولينا رحلت .. لكنها متزوجة .. خالد باع سيارته و سدد عنها الأقساط .. زارها في المشفى .. لم يزل يحبها .. لكن ما فعلت به .. ما قالته يوم التفجير .. كيف ستعتذر ؟؟ .. هل سيقبل .. هي مريضة .. لم تعد تتحمل بعده أكثر .. جيمس عاد الى صداقة خالد .. بل كل الأصحاب فعلوا .. لكم تتمنى لو تستطيع النوم مرة أخرى .. أن تعود الأيام الخوالي مرة أخرى .. حفلة نجاحها .. محادثاتها مع خالد .. مشاكلها التي كانت تحكيها لخالد فيخفف عنها .. يا إلهي لكم ترى تلك المشاكل تافهة مقارنة بما تمر به الآن .. هي بحاجة الى الراحة .. الى الحضن الدافي الذي تنام فيه .. الى الكتف الحنون الذي تبكي عليه ..
لم تعِ ما تفعل حين أدركت أنها ترمي بنفسها في حضن خالد وراحت تبكي بشدة لم تلحظ أن بكاءها قد اختلط ببكاء خالد الذي راح يربك ظهرها بحنان لطالما افتقدته ... يا إلهي لكم هي بحاجة الى هذا البكاء ، لم تتفوة ماري ببنت شفة .. لم تستطع ماري النطق بل استمرت في بكاء دام طيلة ثلاث دقائق ثم نطقت ماري بصوت يثخنه البكاء ..
ماري : خالد ... انت تعرف ان لك أربع ابتسامات .. الأولى : لما تضحك من شي يسعدك ، الثانية : لما تنحرج في الجامعة من مدح الدكتور ، الثالثة : لما تساعد الجدة نانسي في البيت ...
صمتت ماري فسأل خالد بصوت بحوح : والأخيرة ؟؟
اجابت ماري وهي تبكي : لما تناظر في عيوني .
لم يحتمل خالد واخذها في حضنه ومسح دمعة كادت أن تفلت من عينية ، ثم وضع يده على رأسها ونظر في عينيها وابتسم قائلا بصوت محشرج : ماري حياتي فاضية الحين نروح لمقهى الغروب ؟
هزت ماري رأسها يالإيجاب بعد تعالى صوت بكائها ...
سار خالد وماري الى مقهي الغروب ... الى المكان الذي لطالما افتقداه بشدة .
تمت بحمد الله